《 سعادةٌ مسلوبة 》
*******
هناك على التخوم، على الحدود الفاصلة بين شقي الوطن ، بالقرب من جدار العزل الصهيوني ، تتربع أراضي جدي كأنها الجنة ، كروم من العنب ،وبساتين تحمل أطيب الثمر ، وأرضٌ مكتسبة ثوب الخضرة اليانعة، إنها مرتع الطفولة ، أجمل ذكريات العمر سُطرت هناك ، بيتٌ ريفي بسيط غرفتان وحمام ومطبخ ، وحظيرةٌ تحوي بين جنباتها أبقار تمدنا بجبن الصباح وأكواب الحليب الطازجة ، وخيلٌ نمتطي صهوتها لالتقاط الصور الرائعة ، وعلى بُعدٍ منها طابون جدتي حيث كنا نجلس نتناول خبز الصاج من يديها ، ومع حلول العصرية نرقبها تُعد التين الشوكي ، ونحن لا نُطيق الصبر على مذاقه ، فقد كنا نتسابق مَن يأخذ من يديها أولاً ، غير آبهين بالأشواك التي توخز يديها ، فقد كان مذاقه وضحكتها تنسينا وتنسيها ألم يديها ، كنا ننتظر العطلة الصيفية نعُد الأيام عدا ، كان جدي يذهب إلى دكان المخيم على جراره الزراعي (التراكتور) ،يشتري لنا الأيس كريم والحلوى ، قاطعاً تلك المسافة لأجل فرحةٍ ترتسم في عيني حفيداته ، كبرنا ونحن نحمل تلك الذكرى ، ونتجرع مرار تلك الجريمة ، طُرد جدي من أرضه ، هدم بيته ، أحرقت أراضيه ، وأصبحت تلك السعادة مسلوبةً مغتصبة من ذلك الاحتلال البغيض ، عاد جدي إلى المخيم والحزن قد خيّم على قلبه ، ليس بيده حيلةً ، لكن جيران الأرض زفوا له البُشرى ، كل عامٍ يأتي الاحتلال يحرق سنابل القمح ، حيث تأبى الأرض إلا أن تُنبت وتُعطي كأنها تقول: إنا هنا باقون ، مات جدي رحمه الله ، لكن أرضه لم تمت ، تنضح بالعطاء من رب السماء ، وتصرخ كل عامٍ بهويتها
مرتديةً ثوبها الذهبي مغيظةً ذلك الاحتلال.
********
بقلمي آلاء مشعل
٢٠٢٠/٨/١١
