قراءة الأستاذة القديرة؛ Kinana Eissa
كنانة عيسى
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
أبدع الكاتب في خلق عالم قصصي متكامل كلاسيكي العناصر، متحد الرؤى ،ركز فيه على مشهدية سينمائية جميلة، حيث تتحد شخصية البومة الرمزية بشخصية الكاتب وتتبنى رؤاه وتتنقل في فضاء رسمه لها، بخطة محكمة و رشاقة واضحة، لتجمع أقاصيص قرية تنتظر موتها التراجيدي المحتوم في هدوءٍ متعمدٍ مثيرٍ للريبة والقبول.
ويمهد الكاتب بالحوار في بيت المختار، لماهية الحدث وذروة تشكله، بشكل مباشرٍ جدًا كان بإمكان الكاتب تلافيه ببراعة. إمعانًا في شد ذاكرة المتلقي الوجداني والتاريخية بدءًا من ذروة الحبكة حتى هبوطها.
السد العارم الذي سيلتهم القرية بمن فيها عاجلا ام آجلا.
خلق الكاتب الشخصيات بإغراق متعمد في التفاصيل، ليربط في ذهن المتلقي دمجًا حسيًا شيقًا لا ينفصل عن واقع السرد بل يزداد وضوحًا كلما تنقلت البومة في مسيرها من بيت لآخر.
فنحن نكاد نسمع صوت أبو عزام وهو يغني، ونشعر بخفقات صدر يوسف الذي يتطاول على زوجة سواه في عمق الليل متورطا في علاقة محرمة مع زوجة الشرطي، وتؤلمنا رائحة الروث من أم محمود التي تقضي حياتها بألم وشقاء ونقلق عليها من المدير ورغباته الدفين الآثمة تجاهها، وندعو في أعماق قلوبنا
ألا تنهار تحت وطأة شظف العيش وقهره، فتستسلم لما لا يظهر لسوانا. حتى أننا نتعاطف مع التلميذ النجيب ونتمنى له أن يسبح ضد التيار وينفذ من مستنقع الحياة الآسنة.
استخدم الكاتب الرمزَية بلغة بسيطة متماسكة، كمفاتيحٍ لربطِ مشاهد النص المتتابعة من خلال رمزين أساسين
البومة التي تتمثل كمفهوم رمزي حسي ،مدان بالشؤم والتطير في مجتمعاتنا الشرقية المعاصرة،فهي عين الرقيب والمحكمة الأخلاقية الخرساء والعمياء والصماء.
ومفهوم( السد) استخدم ليطرح مفهوم الفساد المؤسساتي المفضوح والمتواطئ ضد طبقات الشعب المسحوقة التي تقف على حافة الانفجار المؤقت كما جاء على لسان أحد الشخصيات (أبو عزام) ومن خلال الحوار بين المدير وزوجته عن البترول كثروة يساء استخدامها، فكل هذا ما هو إلا تورية للدلالة على مفهوم الجريمة وعقابها. .
هل تقصّد الكاتب الاسهاب كتقنية لكثرة المشاهد البصرية وغناها ؟ هل الاختزال كان ليضيف للنص ألقًا وتشويقًا أكثر؟ هذه الأسئلة التي تنتاب القارئ وهو يتابع حيثيات القريةِ الملعونةِ التي (في عرف الكاتب) تستحق الإعدام والتلاشي لأنها متواطئة بالخطيئة و مغموسة بالرذيلة. كأننا نرى سدوم وعمورة تتكرران
كما في النهاية الساخرة والمزدوجة. الفساد بكل أشكاله نهايته الخراب.
كنت لأجد صمت البومة ونعيقها ككائنٍ طوطمي، مغلفٍ بالظنون و الهواجس لأشد وقعًا على المتلقي من تبنيها حوارًا يمثل فلسفة الكاتب ونهجه العقلي وبصيرته، فأنسنة البومة أبعدت عنها غموضًا جميلًا بما تحمله من لعنة خفية سببها شر الإنسان نفسه.
ولو أن المبدع اِلتمس نهاية مختزلة لهذا السيناريو المشهدي الرائع، بنفس نكهة الاستنكار والسرية الصادمة لكن وقع تخيل الفاجعة القادمة أقسى جمالا و أشد تماثلًا
بورك مداد الكاتب المبدع وخياله الجامح وبراعته في خلق نص سردي غنى بالمفاجآت.
___________
قراءة الأستاذ القدير؛ أمير ٱلمۘدرسۜ
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
العنوان قابل للكسر وهو باللغة الإنكليزية breakable
وهو المادة الهشة القابلة للكسر أو التلف كالفخار والزجاج ويجب تعبئة هذه المواد بعناية للحفاظ عليها. غير أن القاص ادخلها على أنواع مختلفة يصح استخدام هذه المفردة معها.
تبدأ القصة بوصف القرية الجميله، لكنها على ضفاف مجرى السيل، وبذلك فهي مهيئة للدمار في أية لحظة، وتذهب بأرواح سكانها وحيواناتها ومزارعها، تحيطها الجبال من ثلاث جهات، لتبقى الجهة الرابعة، تستقبل شمس الصباح، وكأنها باب الأمل، الذي يبقى الجميع يتعلقون به. لكن جدار السد العالي، قابعا خلف بيوتهم يقف بمواجهة هذا الأمل ومصدر تهديد له.
وذات مساء شتوي، يبدأ القاص سرده على لسان البومة (وهي من الطيور تتواجد بمعظم أنحاء العالم، طيور ليلية، جارحة، تشبه الصقور، أقدامها كبيرة قوية، ومناقيرها معقوفة ومخالبها طويلة حادة، وعيونها مكيفة للإبصار في الظلام، تقدر على الرؤية نهاراً، ولكنها تقضي النهار نائمة بالكهوف أو بجذوع الأشجار، وهي طيور تتمتع بحاسة البصر القوية ليلاً ويبدو ذلك جلياً واضحاً من كبر حجم أعينها الحادة الثاقبة، وهي تتغذى بشكل عام على الفئران والقوارض. في بعض الثّقافات مشاهدة البومة تعني أنّ شيئاً جيّداً أو سيئاً سيحدثُ لك أو قد تصابُ بمرضٍ لا علاج له.هناك أساطير من جميع أنحاء العالم، من الأمريكتين إلى الشرق الأقصى، وكل تلك الخرافات تركّز على الموت أو الاصابة بمرضٍ ما أو السحر…الخ)) وهذا الفأل السيء هو ما أراده القاص.
البومة التي تعرف بيوت القرية وأشخاصها شخصا شخصا، تتنقل ليلا بين بيوت القرية، بدأً ببيت المختار الذي يؤمه وجهاء القرية وحتى البسطاء، لينقل لنا جانبا من حديثهم. عن حالة الغش التي رأها الجميع وعلم بها لكنهم ظلوا ساكتين إلى أن قادهم سكوتهم إلى حتفهم.
تتغير نبرة الحوار الهادئة لتتحول إلى صياح صاخب أخر الليل مع بدأ لعبة الورق الاتهامات بالغش مع رهاناتهم.
تنتقل البومة لتنقل لنا معاناة الأرملة أم محمود الجميلة، زوجة أبي الزندين الشهم الذي دفع حياته لحماية رفاقه عند بناء السد، وكيف تكسب لقمة عيشها وعملها الدؤوب في بيت المدير الذي يرمقها بنظرات مشبوهة، بينما هي تحلم بأن يكبر محمود ويرفع عنها ثقل عيشه وأخواته الخمس، وتنتقل البومة لبيت معدم أخر هو بيت فارس الطالب المجد بين أحلام ابيه وضجر أمه، لتنتقل مرة أخرى البومة إلى بيت الشرطي أبي عزام، فالحدت هنا أهم كما تذكر البومة، لترى يوسف وهو يدخل بيت الشرطي، وتحاول البومة منع الفضيحة عندما قدم ابو عزام قبل موعده، ولتكون آخر الأثام التي يكتسحها السد الذي بني بالغش. ليصف لنا القاص على لسان بومته الناجي الوحيد من تلك الكارثة، تلك المأساة، وعند طلوع الفجر تبينت البومة حجم الكارثة وبينت ردة فعل الحكومة الخجولة التي ستكتفي بوضع باقة ورد على ضحايا القرية، وإقامة صلاة الميت.
في حين مات الجميع انتقلت البومة المشؤومة كما يصورها القاص إلى قرية جديدة وجميلة، لكنها تكتشف وجود خزانات اليوريا ( نترات الامونيوم وهي مادة تستخدم كسماد كما يمكن استخدامها كمواد متفجرة كما حدث بها انقجار مرفأ بيروت) الكبيرة القابلة للانفجار وكأنه يعيد من جديد، سرد قصة كسر (انفجار ) آخر في قرية جديدة، وإن توحد الموت لكن الأداة هذه المرة مختلفة.
لقد لاحظنا في القصة عدة انكسارات متتابعة ومختلفة، الكسر الأول هو البذخ في بيت المختار مقابل حالة الفقر الموجودة في بيت ام محمود وابو فارس والكسر الثاني في مغادرة يوسف لنومه المبكر المزعوم ودعمها القاص بقوله ( أو هكذا يدّعي) لأنه يخون احدهم، والكسر الثالث هو علمهم بغش بناء السد وسكوتهم عنه، والكسر الرابع هو كسر وانكسار الأرملة ام محمود بموت زوجها أثناء انزلاق الجرار، وانكسار زوجة المدير أمام ميل زوجها للأرملة ام محمود، والخامس هو وقوف ام فارس حاجزا أمام امال وطموحات ابنها وزوجها في رغبة ابنها فارس بالتعليم، والكسر السادس هو ممارسة الرذيلة ليوسف مع زوجة الشرطي، غير أن الكسر الأخير الكبير الأهم هو كسر السد ليمحي كل أمال وطموحات واثام المدينة بأكملها.
ويبقينا الكاتب على أعتاب كسر جديد في القرية الجديدة بوجود الخزانات الضخمة القابلة للانفجار.
قصة رائعة قدمت نموذجا للحياة الواقعية التي تعيشها اليوم مجتمعاتنا العربية، ربما يزيد عددها شخوصها كثيرا أو قليلا هنا أو هناك. أستخدم القاص لغة جميلة استطاع أن يصف لنا أحوال القرية، بكلمات شفافة، بسيطة يفهمها القارئ الكريم بجميع المستويات الثقافية، واستطاع أن يجعل القارئ يتابع تسلسل الأحداث لمعرفة ماتؤول إليه الأمور بشغف.
استعان الكاتب في استخدام الوصف
بداً بوصف القرية ووصف حالتها بين بذخ المختار وصعوبة لقمة العيش عند ام محمود وفارس وأهله، إلى انهيار السد، كما وصف لنا القرية الجديدة.
كان القاص متمكنا من أدواته واستطاع توظيف المكان والزمان والأحداث للوصول إلى مبتغاه.
فلقد كان المكان تلك القرية وهي أشبه بكثير من مدننا اليوم وغدا، وتصفه البومة على لسان القاص بويتاتها البسيطة، والسد الذي يقبع خلفها، وقد
جعلنا وسط الحدث، كما حدد الزمان وهو قبيل حدوث الانهيار بفترة قريبه لنتعرف على حال هذه القرية والناس التي تعيش فيها،وسارت الأحداث بوتيرة مرتبه ومتسارعة، إذا عرفنا ان ذكرى استرجاع موت ابي الزندين في حادثة الجرار.
اما الأحداث التي فسرت الانكسارات المتتالية في نفوس وارادات الأشخاص جاءت بشكل مسلسل لمعرفة كل حالة على حدة.
اما بالنسبة لشخصيات فقد اهتم القاص بوصف الحالة المعنوية والنفسية دون أن يهتم بوصف الشكل والمظهر الخارجي لأن الوصف الأول هو الأهم عند القارئ.
كانت العبرة من هذه القصة هو عدم اهتمام المسؤولين (المختار) بأحوال الرعية المحتاجين(بيت ام محمود وبيت أهل فارس) وسكوتهم عن حالات الفساد(غش عمال السد) الأمر الذي أدى إلى موت الجميع، وهذه الحالة تحدث كل يوم في مجتمعاتنا، بينما لاتقوم الحكومات الا بإجراءات بسيطة لاترتقي لمستوى الحدث(وضع إكليل من الزهور على أطلال القرية وتلاوة الصلاة) بينما كانت هي المسؤولة المباشرة عن موت هذه القرية من خلال متابعة بناء السد لردع الفساد في غش بناء السد، ومراقبته خصوصا أن الموسم شهد أمطارا كثيرة، بل ولم تهتم بمحاسبة المقصرين لكي لايتكرر الحدث.
واستخدم الفاص العديد من المفارقات في هذه القصة سنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
بذخ المختار ولعب الورق برهانات بينما تنام الرعية خاوية البطون، خسة يوسف وخيانته للشرطي وشهامة ابي الزندين، عفة ام محمود الفقيرة أمام نظرات المدير وموقف زوجة الشرطي الموسرة مع يوسف، وموقف ابو فارس وأمه تجاه ابنهم، ولادة محمود والموت، وأمل ام محمود وفارس والالام التي يعيشها واقعا أهل القرية، وهنالك العديد.
استطاع القاص أن ينقلنا من خلال الأحداث إلى قصة جميلة متكاملة يمكن أن تقع اليوم وغدا، وغرق السودان ليس ببعيد عنا، لم يهدم سد لكن يجب أن تؤخذ السيول بالحسبان اما مخازن القرية الجديدة التي ابقاها القاص بدون انفجار، فقد انفجرت واقعا في مرفأ بيروت.
شكري وتقديري وامتناني للقاص وعذرا أن أكون قصرت في جانب معين في قراءتي راجيا التوفيق له في أعماله وسائر حياته. وشكرا جزيلا لأنه امتعنا بهذه القصة القصيرة الجميلة.
___________
قراءة الأستاذ القدير؛ متولي محمد متولي
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
ا ______________
حالف التوفيق الكاتب في اختيار عنوان قابل للكسر ربما هو يقصد السد لكن بالفعل العنوان ينطبق على الكثير من شخصيات وأحداث وردت في القصة
الموضوع شيق والفكرة تم طرحها ببراعة وربما فيها إسقاط على دولة بعينها وربما على واقعنا العربي المرير
اختيار طائر معروف لدى الكثير بأنه رمز للنحس والخراب موفق من جانب الكاتب
الأحداث متصلة تتنامى وتتطور لتوضح لنا أحوال أهل القرية المشرفة على الهلاك
جمع الكاتب معظم الأحداث في زمان واحد محدد يواكب لحظات ما قبل انهيار السد
أما المكان فقد أجاد في وصفه ومن العجيب أن وصفه يوحي بأنه لا مجال للهروب
لا شك في أن القصة محبوكة بإحكام وإن كنت أود لو ترك فيها بصيصا للأمل كما هو الحال في الواقع
أبدع الكاتب في وصف أشخاص قصته وأجاد في إدارة الحوار
السياق من البداية للنهاية في ينمو ويتطور حتى الوصول إلى النهاية المروعة لا تجد فيه أي مطبات أو انكسارات
الأسلوب جميل واللغة حية ناضجة تأخذك إلى داخل الأحداث
وإذا تحدثنا عن الصراع ستجده بين العديد من الشخصيات كما تجد الصراع الداخلي كما هو الحال بالنسبة للأرملة
وفي النهاية يفاجئنا الكاتب بقرية جديدة وخطر جديد يهددها
نهاية مفتوحة تجعلنا نعود للبداية من جديد لنتأكد إن كانت القصة بالفعل إسقاط على واقعنا العربي المرير
كل التحية والتقدير للكاتب القاص المبدع
وكل التحايا والتقدير لأسرة البرنامج الرائع ولجهودهم الرائعة في إثراء الأدب والإبداع
___________
قراءة الأستاذ القدير؛ فتحى محمد_علي
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل_الأشقر.
______________
ارى قاصا مبدعا في تصويب عدسته على المكان_بل والزمان من حوله.
ربما طالت تفاصيل القصة حتى دنت من الرواية؛لكنها تفاصيل ربما عدت من اكتمال بناء الحدث.
نجح القاص في اصطحاب المتلقي منذ بداية القصة،كما كان العنوان ايضا باعثا على التشويق.
الفاظ القصة سلسة واقعية بحكم طبيعة الموضوع حيث خضع القاص للواقعية اللغوية.
صور القاص الجمالية موحية ومعظمها مستمدة من البيئة.
اللغة سليمة إلا بعض الهنات اللغوية النحوية.
تحياتي للقاص والمتلقي.
___________
قراءة الأستاذة القديرة؛ ابتسام سيد
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
قابل للكسر..
بداية ..لقد استمتعت بقراءة القصة عدة مرات قبل التعليق عليها كقارئ ..فقد نجح الكاتب من بداية القصة في جذب الانتباه بهذا العنوان المميز ..فكل شئ قابل للكسر ، ويبقى انكساره أو عدمه مرهونا بمدى تحمله لما سيواجهه من ضغوط في الحياة ..فالسد ، والأخلاق والعادات والأعراف ، والأحلام جميعها قابلة للكسر تحت مطرقة الفساد بكل ألوانه ..
أجاد الكاتب في الوصف بتعبيرات جميلة تساعد على استحضار الصورة ..
نجح في استخدام رمزية البومة وبما لها من مخزون ثقافي كبير لدى الجميع على اختلاف مفهومها ..
فالقصة تدور أحداثها في ليلة شتوية وهو ما يناسب ظهور البومة ليلا ..
نشاطها ليلا وتنقلها بين الأشجار لاستطلاع الأخبار ومراقبة الأحداث عن قرب ساعدها على الإلمام بالأحداث ..
بعض الثقافات ترمز للبومة بالحكمة ..وهذا ما أظهره الكاتب في ترقبها وتحليقها المستمر وصوتها لتحذير يوسف وخوفها من مغبة وصول الشرطي لمنزله ..
دائما ماارتبط ظهور البومة بشبح الموت في مكان تواجدها ..وهذا ما آلت إليه نهاية القرية ومن فيها ..أحسن الكاتب في وصف المكان والأشخاص وأمتعنا بحواراتها المتنوعة
اختار الكاتب ألفاظه بعناية كبيرة فلم يفته أن يذكر على لسان البومة عند حديثها عن الأرملة ..أن بينهما قواسم مشتركة ..كالوحدة والأنس بالإطمئنان على الأقربين ..
بدأ قصته بوصف جمال القرية الموشكة على الهلاك ..
وأنهاها بوصف جمال قرية جديدة مهددة بالهلاك
المفارقة في هذه الأحداث المفجعة ..ظهر الأمل على استحياء في وصف القرية واستقبالها للشمس في الصباح ..وفي ترقب الأرملة لصغيرها ليكون مثل أبيه ..وفي رغبة الطالب ووالده في تحقيق الحلم ..وظهر الأمل جليا واضحا في ..نجاة البومة وتشبثها بالأمل ونجاحها في العثور على قرية جديدة ...ولكن شبح الموت يأبى أن يفارق مصير من تذهب إليهم ..فيلازمها ...
قصة بها اسقاطات كبيرة على واقعنا العربي ، وقد ترمز البيوتات التي مرت بها البومة (المشاهد الصامت )لبلدان ودول ..
.. تحياتي للكاتب القاص بدرجة روائي وتحياتي للقائمين على زمرة الأدب الملكية .
___________
قراءة الأستاذة القديرة؛ أم. أيمن
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
في الحقيقة قصة جميلة جدا..
جذبتني لأقرأها حتى آخر سطر فيها..
العنوان معبر وعميق المغزى..
لغة السرد ممتعة وتنم عن براعة وذكاء الكاتب..
رمز البومة هو رمز للنكبات والمصائب التي لحقت بالعالم العربي الذي كان يرتع في السلام لسنين طويلة حتى جاء من يعكر صفوه ويقض مضجعه..
نجح الكاتب في هذا التوظيف والترميز..
أحداث القصة كانت تسير في سلاسة وبلاغة ومتانة في اللفظ والمعنى..
الخاتمة كانت تجسيدا وتلخيصا لكل ماسبق، ومن هو السبب في تلك المأساة الأليمة التي كانت سببا في غرق القرية الهادئة..
اللغة سليمة وصحيحة وخادمة للموضوع..
نص جميل ورائع..
دام نبض قلمك المبدع أيها الكاتب المميز
___________
قراءة الأستاذة القديرة؛ ليلى الحافظ
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
القصة جميلة عنوانها يشد القارئ للنهاية -صوّر القرية -كأي قرية من قرانا -وصوّر شخوص القصة بجدارة ووصف دقيق كانه يحمل كاميرا ويصوّر كل عائلة على حدة وادرج الحوار برشاقة وقدرة الكاتب المتمكن من تسلسل الأحداث مما شدني إلى قراءتها والإسمتاع ياحداثها المتتالية مشيرا إلى احداث ثقع في بلدنا من إهمال او سرقات تحدث في مشروع - -اسقاطاته رائعة وناجحة -
بورك الكاتب بالتوفيق إن شاء الله-
___________
قراءة الأستاذ القدير؛ Nabeel Najjar
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
من جهتي لن اتكلم في موضوع ورسالة القصة فالموضوع برأيي وعظي بامتياز.
سأتكلم عن فنيات هذه القصة: مبدئيا مقدمه طويلة يمكن اختصار نصفها على الأقل ولن تتأثر القصة.
عدد الأشخاص مهول لايتسق ابدا مع فكرة القصة القصيرة، وأحب أن أشير هنا أن بعض الروايات لم تعد تحتمل هذا العدد من الابطال بداخلها، ناهيك عن الحوارات التي امتدت بدأت او بدون بين هذه الشخصيات.
القصة بنظري فيها نفس روائي أكثر.
الخاتمة أيضاً كان يمكن أن تتوقف عن الفيضان وكانت تكفي فلاداع للاصرار على امثولة أخرى ، يمكن للقارىء أن يستخلص العبرة من الدرس الأول.
تحياتي وتقديري.
___________
قراءة الأستاذ القدير؛ Hadi Alshamary
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
قصة سردية بجدارة
مسطحة غير مركبة نقل الأحداث من منظور واحد
تخلو من المنولوج والتعمق في جذور الماضي وخبايا الشخوص
التركيز على دور البومة في تحريك أحداث القصة مبالغ فيه..
ويكفي الإيماء والأيحاء.
النهاية برأيي غير موفقة
فيكفي نجاة شخص أو شخصين لبث بعض التفاؤل ونقل الأحداث والعبر.
الأسلوب اللغوي متقن
عبارة بسيطة وغير متكلفة..
عفوية الحوار ترفع من النقاط الإيجابية للقصة.
إضافة إلى انتقاد الواقع السيء والفساد الوظيفي
نقاط إيجابية أخرى.
أتمنى للكاتب التوفيق والنجاح والتطور.
تحياتي للجميع.
___________
قراءة الأستاذ القدير؛ مبارك السعداني
لقصة هذا الأسبوع من فقرة(نقد وتحليل القصة القصيرة)«قابل للكسر» للأستاذ القاص؛ فضل الأشقر
______________
في نظري المتواضع قصة أرهقتها التفاصيل وكثرة الشخوص والمواضيع الفرعية.. وهو ما لاتحتمله القصة القصيرة ، وحدة الموضوع والتركيز على حدث ينمو ويتطور ليصل إلى انفراج...موضوع القصة بهذا الشكل يشتت ذهن القارئ الذي ينتظر من القصة القصيرة مشاكسته ولا تقدم كل شيء.انتهيت من القراءة مادوري كقارئ....هناك بض الهنات :قطعان الغيوم الغير المنتظمة(غير المنتظمة او الغير منتظمة)/تتمنى ان ينادونها/ ان ينادوها /مخلفا وراءه أرملة جميلة و خمس بنات و جنين ببطنه...(جنينا)/وحشا أسودا( أسودَ).يبقى كلامي قابلا للرد أو القبول...مع متمنياتي للقاص بدوام التفوق والنجاح.
___________
القصة
**********ا
قابل للكسر
في وطني الجميل قرية وادعة تمتدّ على ضفاف مجرى السّيل الّذي كان يذهب بالمزروعات و بعض الماشية؛ عندما يغضب.
تسوّرها الجبال من الجهات الثّلاثة لتبقي الجهة الشرقية مفتوحة للشّمس، لتحتضن الصّباح، يعلو المنازل بمئات الأمتار جدار عريض و عال من الإسمنت المسلّح، حاجزا خلفه ملايين الأمتار من مياه المطر، ممسكا بعشرات المجاري السّيلية و كأنّه رجل عجوز يقبض على لحيته الكالحة من نهايتها.
في ذلك المساء الشّتوي، ترى قطعان الغيوم الغير المنتظمة تملأ السّماء، يتخلّل فرجاتها بعض النّجوم المتلألئة و كأنّها تدعو الأشجار الحراجيّة المتناثرة بين المنازل لاستقبال الرّبيع الّذي طال انتظاره.
على شجرة الحور الشّامخة بالقرب من منزل قديم من الحجارة الكبيرة المتفاوتة الحجم و الذي يعصب سقفه القرميد الأحمر، و كأنّه يبرز هويته، بأن القاطن من الوجهاء؛ تقف البومة تراقب نوافذ المضافة الّتي يجتمع بها بعض رجال القرية بشكل شبه يومي للسّهر وتبادل الأحاديث و لعب الورق عن رهان مقبوضة أو غير مقبوضة حسب حال الخاسر، و غالبا ما يكون الرّهان صندوقا من البرتقال أو (علبة راحة و بسكويت).
البومة تعرف أهل القرية و بيوتهم و قصصهم وأسرارهم و ماشيتهم، تتنقل بين الأشجار بصمت تراقب النّوافذ و الأحاديث، و بنفس الوقت تنتظر رزقها الذي يسوقه الله لها، فهي تفضل فأر الحقل للعشاء ولكنها لا تمانع من التهام أفعى أو دودة كبيرة.
يتصدّر السّهرة المختار بالقرب من المدفأة بين مجموعتين من الوسائد و تحته جلد كبش بصوفه الغزير، و كأنّه مرياع القطيع.
يجلس بجانبه أبو حمدي تاجر الماشية و من الجانب الآخر الشّرطي أبو عزام الذي يخدم في مخفر البلدة القريبة، ما يميّزه عن البقيّة بالإضافة لشاربيه؛ هو غناه المفاجئ، و من ثمّ عدنان صاحب الدكّان و يوسف راعي الماشية و هو الوحيد الّذي لا يكمل السّهرة بسبب استيقاظه المبكّر للذّهاب إلى المرعى( أو هكذا يدّعي)..، و طبعا بعض الرّجال الآخرين من القرية.
يوجّه المختار حديثه ليوسف: "بما أنّك ترعى بجانب السّدّ، كيف وضع المياه و هل بقي الكثير حتى يمتلئ السّدّ؟"
يوسف:
"و الله يا مختار مثلما تعرف أنّ الهطولات هذه السّنة كانت غزيرة و قارب السّدّ على الامتلاء."
الشرطي:
"الله يستر! هذه أوّل تجربة لمتانة السّدّ، إن تحطّم سيجرف القرية لقعر الوادي."
المختار مقاطعا:
"تفاءلوا بالخير.. لقد شيّدته شركة الإنشاءات العسكريّة، و هي من أفضل الشّركات."
الشّرطي:
"اسمع يا مختار، ربما معك حقّ، و لكن أنا أعرفهم، معظمهم لصوص يسرقون الإسمنت و يضعون الأحجار بكمّيات كبيرة لتعويض النّقص." قالها و ابتسامته الماكرة تعلو محيّاه.
يوسف:
"كنت أرعى بالقرب منهم وقت الإنشاء، و رأيتهم يضعون الأحجار مع الإسمنت."
يقاطعهم عدنان:
"أنت يا يوسف تؤيّد الشّرطيّ أبو عزّام دائما.. حتى إن قال لك إنّ اللّبن أسود..!"
يوسف:
"ليس هكذا يا عدنان، و إنما بحكم تواجدي بقربهم.. ، و ربّما معك حقّ من ناحية تأييدي لأبي عزّام.. ( المحبة من الله) هل عندك مانع..؟"
يضحك الجميع و يتابعون مسامرتهم و نقاشاتهم التي لن تنتهي إلّا بالبدء بلعبة الورق المتّفق عليها، و هنا ستتحوّل النّقاشات إلى صراخ و تبادل اتّهامات بالغشّ والبعض ربّما تصل به درجة الغضب لتمزيق ورق اللّعب، طبعا بعدها تضع الحرب أوزارها و يتصالحون وعدنان صاحب الدكّان؛ غالبا ما يحتفظ بعلبة ورق جديدة في جيبه للطّوارئ.
تتركهم البومة، و تطير باتّجاه منزل الأرملة؛ طبعا هذا ليس اسمها! فهي أمّ محمود و زوجها (أبو الزندين) هذا لقبه الذي تحبّه بشغف، و كم تتمنّى أن ينادونها بزوجة "أبي الزندين" بدلا من أمّ محمود أو الأرملة، ولكنه قدر الله الذي لا يردّ، فشهامته المعتادة أوردته التّهلكة؛ عندما اندفع باتّجاه الجرّار المنزلق ليحمي رفاقه المشغولين بعملهم في بناء السّدّ، و لكن الجرّار كانت زنوده أقوى؛ فدهسه و انقلب، مخلفا وراءه أرملة جميلة و خمس بنات و جنين ببطنها.
هذا كان من ثلاث سنين، ولد محمود خلالها و تعلّم المشي و النّطق و ذاق طعم اليتم قبل الحليب.
تقف البومة على شجرة السرو المطلة على منزل الأرملة، هذا المنزل بالذّات لا يشبه باقي المنازل، إنه ينتصب كمارد أصابه الهرم، فترهّلت عضلاته و كساه الشيب و الوهن. تنظر أمّ محمود لبناتها النّائمات على فراشين ملتصقين و حسب ترتيب العمر كعنقود العنب المستند على ورق العريش، أما محمود فينفرد لوحده بفراشها ينتظرها أن تفرغ من الاستحمام و تغيّر ثيابها من رائحة روث البقرة الّتي تقوم برعايتها و تنظيفها وحلبها، مقابل دراهم معدودة لتعيل أسرتها.
لقد كان يومها صعبا مثل كلّ الأيّام التي تعيشها بعد الترمّل.. مع الفجر تنطلق لبيت مدير المدرسة لتطعم البقرة و تنظّف الحظيرة و تنقل الرّوث بالقفّة للمزبلة، و مع انتهائها يكون قد حان موعد الحليب، فتقوم بتسخين القليل من الماء لتغسل ضرع البقرة و تقرفص لتبدأ باستخلاص اللّبن من الضّرع بعد أن تدهن يديها بالفازلين لتسهيل العمل و ليبقى الضرع طريّا، ولطريقتها بالحلب طقس يشبه تسريح شعر ابنتها الكبرى ذات الخصلات الذهبيّة المقطوفة من شمس الضّحى، وبظل انهماكها بالحليب و كالعادة يأتي المدير ليطمئنّ على بقرته(أو هكذا يقول).
المدير بصوت ناعم:
"صباح الخير يا أمّ محمود، أقسم بالله أنك امرأة حديديّة، و إعالتك للأيتام ثوابه كبير عند الله"
الأرملة تضع ركبتيها على الأرض بدل القرفصاء؛ تحاشيا لنظراته المجهرية..
"صباح الخير."
المدير:
"كيف حال البنات؟ و الأهمّ كيف هو محمود، و الله إني لأراه أبا الزّندين الصّغير، طبعا؛ شبل من أسد، سيعيد سيرة والده البطل."
الأرملة باقتضاب:
"الجميع بخير، الحمد لله."
هنا تأتي زوجة المدير، فيعدل وقفته و يعود صوته أجشا مثل باقي الرجال..!
زوجة المدير وبلهجة ممزوجة بالسخرية:
"كيف حال الجميع، لا يهنأ بال زوجي الحبيب إلّا بالاطمئنان على بقرته المدلّلة!!، و بالمناسبة هي ليست صفراء لتسرّ النّاظرين..!"
المدير:
"الله الله عليك يا فردوس(اسم زوجته)..، هنيئا لك هذه الروح المرحة."
فردوس مع كثير من الغنج المصطنع:
"من يعاشرك؛ حتما سيصبح مرحا محبّا للحياة، أخشى على البقرة أن يجفّ حليبها من كثرة المزاح و الضّحك."
المدير مع قهقهة زائفة:
"لا تخشي عليها، فهي بأياد أمينة."
فردوس:
"تقصد مثل البترول في دولتنا..!"
المدير:
- أخفضي صوتك يا عمري، للأبقار أذان."
فردوس:
- أذان و عينان جميلتان..!
و تغمز بعينها غمزة خفيفة، هذا الحديث المتبادل بين المدير و زوجته لا يهمّ أمّ محمود لا من قريب أو من بعيد.
تتابع عملها و كأنّهما غير موجودين، لقد اعتادت هذه الحوارية الصباحية بدلا من أغاني فيروز.
الأرملة:
- انتهيت من حلب البقرة، هل أوصله لكم للبيت أم تأخذانه معكما.
فردوس:
- لا داعي، أنا أدخله معي، فلقد مسحت البلاط و رششت المعطّر..!
الارملة :
- بالإذن، أنا ذاهبة و أعود قبل الظّهر لأطعم البقرة وجبة الغداء و أسقيها.
المدير بصوت أجش:
- قواك الله يا أمّ محمود.
و يلتفت إلى زوجته: "إنها امرأة حرة."
تصكّ فردوس أسنانها و تفرج شفتيها و تتمتم:
- إنها تسلبك عقلك..!
المدير بصوت رخيم:
- لم أسمعك، ماذا قلت يا حبيبتي..؟
فردوس:
- أقول لو أنّي أكملت دراستي بعد البكالوريا لكنت الآن صيدلانيّة أو مهندسة، و لكنك ابن عمي، وزواجي بك أهم من الدراسة بكثير..!
أنهت الأرملة استحمامها، و كأنّ كل قطرة ماء تغسل روحها قبل جسدها من أدران الحاجة، و بعد أن تلبس ثيابها، تبدأ بتسريح شعرها الأسود الطّويل المنسدل على جسدها كوشاح من حرير الهند.
و بعدها تندسّ بالفراش جانب بطلها المنتظر، تنظر إليه و هو نائم كالملائكة، تهمس له:
"متى ستكبر؟، أنتظرك شابا قويا مفتول الزندين كأبيك، ستعوّضني كل هذا التّعب و هذا الحرمان، و سأزوّجك بفتاة طيّبة الأصل و جميلة، و ستنجب لي الأحفاد الذّكور، خمسة أو ثمانية أو عشرة، و سأربّيهم حتّى يصبحون شبابا و أزوجهم، و ينجبون... اسمع يا محمود؛
طفلك الأول سنلقّبه بأبي الزّندين كجدّه و باقي الأولاد سأترك لك حريّة تسميتهم..!"
و تبقى تناجي صغيرها تارة و ذكرى زوجها تارة حتى يغالبها النّوم و لتبدأ مع الصباح نفس الأحداث..!!، فهنا، لا جديد (أو هكذا تعتقد).
تتذكّر البومة أنه حان موعد الاطمئنان على التّلميذ النجيب، و بالرّغم أن طقوس الأرملة لا تتغيّر كلّ مساء، و لكن البومة تحس بعدّة قواسم مشتركة بينهما، و لا تتركها حتى تطمئنّ أنّها نامت و هدأت.
تطير باتّجاه الزيتونة المطلة على نافذة فارس التّلميذ النّجيب، هكذا تسمّيه..
دار أهل فارس تسمّى مجازا منزلا، هو عبارة عن غرفة واحدة مسقوفة بالخشب و القصب، و تجتمع تحت سقفها عائلة فارس المتكوّنة من الأب و الأمّ و أربعة أطفال ذكور، بالإضافة لعدّة الطّبخ و الاستحمام.
الكلّ نائم ما عدا فارس، يتدرّب على الإملاء و الّتي اعتاد أن يأخذ بها العلامة الكاملة. ضوء المصباح الكهربائيّ المتعلّق بسلك يتدلّى من خشبة السّقف و تعلوه نقاط سود، تكاد تغطّيه في بعض الأماكن، هذا النّقاط المتكونة من فضلات الذّباب الّذي يجتمع عليه بالنّهار و يبيت عليه أيضا، برغم توهّج الضّوء فإنّه بصعوبة بالغة يشقّ ظلام الغرفة الممتلئة بشباك العناكب.
تخاطبه أمه بشدة:" ألم تنتهي..!؟ نريد أن ننام و ضوء المصباح يجلب المزيد من الحشرات."
فارس:
- دقائق فقط يا أمي، أنا على وشك الانتهاء.
الأم بسخرية:
- و ماذا ستصبح!؟، طبيبا لا قدر الله.
يستيقظ الأب و بعصبيّة يجيب الأم:" نعم سيصبح طبيبا، هو مجتهد و مثابر، و لو احتاج الأمر سأبيع ثيابي ليكمل تعليمه."
الأم:
- و هل ثيابك تساوي شيئا..؟!، نم يا رجل، وخذه معك غدا ليساعدك في العمل، سيساعدنا عمله في إطعام هذه الأفواه الفاغرة.
الأب:
- إطعامهم ليس من شأنك، ولم تبيتوا يوما من غير عشاء.
الأمّ:
- و هل تسمّي حبيبات العدس المطهوّة بقدر من الماء وبدون زيت أو سمن؛ طعام..!؟، أو لعلّك تقصد الخبز اليابس الّذي نضيفه للحساء حتى يقيتنا نوعا ما؛ طعام..!، اتق الله يا رجل..!
الأب:
- اتّق الله و استغفري ربّك و احمديه.. ، أو ربّما مجرّد نومك و عدم نطقك بهذا الكلام بحدّ ذاته عبادة..! نامي ولا تسمعيني صوتك.
فارس:
- لقد انتهيت يا أبي، سأطفئ الضّوء لننام جميعا.
الأب:
- لا تشغل نفسك إلّا بدراستك، ولا تلتفت لكلام أحد، عندما تنهي دراستك و تتخرّج و تعمل وتسكن بيتا حقيقيّا؛ ستعرف معنى كلامي.
فارس يومئ برأسه بالإيجاب.
الأب: " وفقك الله يا بني."
اطمأنّت البومة على فارس التّلميذ النّجيب، و لسان حالها يقول:"
ربما أنا أيضا أكحّل عيني برؤيتك طبيبا أو مهندسا."
و انطلقت لتكمل السّهرة على شجرة الحور بالقرب من مضافة المختار، و لتشاهد المشاجرات و المصالحات النّاتجة عن اللّعب بالورق، فالسّهرة الحقيقيّة بدأت هناك و ربّما تمتدّ حتّى آذان الفجر؛ مثل معظم الليالي.
و في طريقها رأت شبحا من بعيد يتسلّل بين الأشجار ويتابع طريقه بحذر شديد و بخطوات هادئة؛ حتى لا يصدر حذاءه أيّ صوت محتمل..
تحطّ البومة على شجرة النّارنج المطلّة على دار الشّرطي أبي عزّام، مؤجّلة ذهابها لمضافة المختار؛ فالحدث هنا أهمّ و لا يحدث إلا كلّ عدّة أيّام.
اقترب الشّبح من منزل الشّرطي الفاخر، البومة تعرفه مسبقا، و تعرف ما يريد؛ تهزّ برأسها و تطبق جفنيها وتفتحهما بسرعة البرق لعشرات المرات و كأنّها تقول:" لن تترك هذه العادة يا يوسف؛ حتّى تنكشف و ينفضح أمرك."
التقط يوسف من على الأرض ثلاث حصيّات ورماها على نافذة غرفة النّوم. و كالعادة انطفأ المصباح أمام باب الدّار، و فتح الباب بشكل موارب يكفي لإدخاله دون انكشاف من فتح الباب من الدّاخل.
البومة لا يهمّها أن تشاهد ما الّذي يحدث داخل غرفة النّوم، فهي تعرف تماما ما الّذي سيحدث، و شاهدته مرارا و تكرارا.
زوجة شابّة متزوّجة من شرطيّ يناطح الخمسين، تزوّجها بعد الطّفرة المالية الّتي حلّت به بعد خدمته على نقطة حدوديّة؛ ليغيّر بعدها كلّ شيء؛ منزله وزوجته و محلّ إقامته.
بالرّغم من أنّ البومة من سنوات و هي تحذّره بنعيبها المتواصل من لحظة دخوله حتّى خروجه، فلم يخطر بذهنه أبدا هذا الخاطر.
فجأة و مخالفة لكلّ حسابات البومة، تسمع خطوات متسارعة تأتي من بعيد و تقترب رويدا رويدا، من هذا الشّبح القادم في الظّلام..!!؟، هل يعقل أنه الشرطي أبو عزّام!!؟، ربّما، و لكن ما الّذي أتى به الآن، ليست عادته.. !
حلّقت البومة لتستطلع القصّة، نعم! إنّه الشّرطيّ يمشي بطريقة غريبة و يمسك بطنه و كأنّه يعاني من المغص أو التسمّم، يقفز خلف رجم من الحجارة، ويتأوّه و هو يقضي حاجته كأنّه يرزح تحت حمل ثقيل.
تنتبه البومة لحجم المصيبة الّتي ستحدث، و لكن ماذا ستفعل..!!؟، ترفرف بجناحيها مصدرة صوتا قويا وتنعب بشكل متقطّع و قويّ، و لكنّ ما الفائدة..!!، العاشقون لا يفهمون لغة الحكمة، يقترب الشّرطيّ من منزله بعدما تخلّص من حمله، وضع المفتاح بالباب بهدوء و فتح دون أن يصدر صوتا كعادته المتّبعة منذ مدّة طويلة، كي لا يزعج زوجته الشّابة الجميلة من جهة، و كي لا تطالبه بمستحقّاتها الزوجيّة المتراكمة.
جنّ جنون البومة و بدأت بالطّيران بشكل حلقات لا تنتهي؛ جلبة قويّة داخل المنزل و صوت تلقيم مسدّس رافق صرخة مدوّية من الشّرطيّ الّذي انكشف بصره فجأة على مشهد زلزل كيانه و أعاده بجزء من الثّانية لكلّ القذارات الّتي كان يفعلها بالنّاس و بعائلته و زوجته الأولى، و مع هول المفاجأة تسمع البومة صوتا مدويّا قويّا لم تسمع مثله من قبل، هل يعقل أنّها صوت طلقة من مسدّس الشّرطيّ؟
لا.. لا..! الصّوت أقوى بمئات المرّات، و رافق الدّويّ صوت هدير مخيف، نظرت البومة باتّجاه السدّ لترى وحشا أسودا عملاقا يتّجه للقرية؛ "لقد انهار السّدّ."
حلّقت البومة فوق السّيل الجارف و هي تشاهده كيف يقتلع الأشجار الحراجيّة المعمّرة، ها هو يقتلع دار المختار من جذورها و يبتلعها لتختفي بين فكّيه كحبّة سكّر في فم طفل يلهو.
و يتابع السّيل هجومه الصّاعق، منزل الشّرطيّ بكلّ ما يحويه من خطيئة، و مدير المدرسة و أحلام الأرملة ومستقبل فارس التّلميذ النّجيب؛ لقد ابتلع القرية بالكاملة ليزرعها في بطن الوادي و يغطّيها بعشرات الأمتار من الطّمي.
أشرقت شمس الصّباح خجولة من بين الغيوم الدّاكنة، و مازالت البومة تطير فوق القرية و الوادي على غير هدى. انتهت المياه المحتقنة من المسير، كانت حبيسة لسنة أو يزيد، و الحاجز الذي كان يحجبها نخره الفساد.
مع ظهور النّهار تبيّنت البومة حجم الكارثة، لم يعد هناك وجود للقرية و لا للبشر و ليس هناك من ناجين، و الطّين المتراكم بالوادي يلزمه شهور عديدة لإزالته، والبومة تعرف أنّ الحكومة ستكتفي بوضع باقة من الزّهور على أطلال القرية و ربما يوجّهون المساجد ليصلّوا صلاة الغائب على أرواح الضّحايا.
انطلقت البومة تبحث عن قرية و أحداث جديدة، ولكن هذه المرة بعيدا عن الجبال و الوديان و السّدود و أخطارها.
وصلت البومة ليلا لقرية في أحد السّهول الجميلة، قرّرت النّوم على شجرة زيتون كبيرة و كما يقال( الصباح رباح).
في الصّباح حلّقت فوق القرية، معظم بيوتها جميلة ومبنيّة من الإسمنت المسلّح، هنا رجل يقف على زاوية منزله يمسّد شاربيه، و هناك فتاة تكنس فناء الدّار، وبالجوار عجوز يتحلّق حولها أحفادها الصغار..، وهناك.. ماذا هناك، ماذا يكون يا ترى!!؟.
انطلقت البومة تستطلعه،؛ خزّانات معدنيّة عملاقة اسطوانيّة الشّكل، و حضائر ضخمة مسقوفة بالصّفيح
اللّامع.
خبرة البومة كبيرة في معرفة الأشياء، فلقد اكتسبتها من خلال تجوالها بين المدن و الأرياف؛ نعم لقد عرفته: إنّه معمل للسّماد الآزوتيّ، و يتوسّط المعمل خزّان اسطوانيّ الشّكل عملاق و لكنّه يقف بشكل عموديّ، ومرسوم عليه جمجمة مع عظمتين متقاطعتين باللّون الأسود، و مكتوب على جانبه باللون الأحمر و بلغة أجنبيّة يوريا(UREA)، و على الجانب الآخر بخطّ كبير "قابل للانفجار".
*******
فضل الأشقر/ سورية.
