زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

بلا نهاية _ بقلم : الكاتبة / مجد محمد وليد (جودي)


 



 قصة قصيرة..


 متابعة وتنقيح أستاذرصيف الأمل


 تدقيق لغوي أستاذة: Mona Ezildeen


{ بلا نهاية }  


بابتسامة ساخرة استلم أبو معاذ راتبه، تمعّن فيه لثوان قبل أن يتبخّر من بين يديه، فأنّى لهذا المعاش الهزيل أن يصمد لبقيّة الشهر والعيد على الأبواب..!


ألقى بثقل همومه على مقعد سيارته المترهلة مولّيا قبلته شطر سوق تتوسّط المدينة.. 

دقائق معدودة أدرك فيها وجهته، ركن بمكان خصّص للوقوف، ليتابع سيره بخطا متثاقلة تسارعت معها نبضاته المضطربة.

على جنبيْ الطّريق، رافقته أشباح بهجةِِ باهتةٍ حملت ما تيسّر من عبق عادات فاحت مع روائح البخور المنبعثة من بعض المحلاّت العتيقة؛ فتعطّرت بها زوايا الحواري المتاخمة.. أجواء أضفت القليل من الطمأنينة ولو لحينٍ من الدّهر.. إلى أن تجمّدت قدماه وبُعثرت أفكاره كقطع مرآةٍ متهاوية تلاشت معها وجوه المارّة، ضجيج الباعة.. وكل ما كان حوله؛ عدا ذلك الصّوت الدّفين الذي انسلخ من رحم الذاكرة كمسخٍ استحال له طمسه.. كيف ينسى، وقلبه العليل مايزال مثخناً بجراحٍ لم تندمل بعدُ ..!


يتعالى الصّدى الرّهيب في الأرجاء، فيتابع أبو معاذٍ بتوجّسِِ سدّ أذنيه.. 

يقترب الصّوت آسرًا معه تردّد توسلات طفلة لم يزهر ربيعها السّادس بعدُ.

- " أبي.. أبي.. أريد شراء الآيس كريم".

هكذا قالتها بصوت ملائكيّ لم يخلُ من لجوجٍ وشقاوة،

ابتسم أبو معاذٍ في وجهها الجميل ونقدها الثّمن بنفس راضية، تركت بعدها يده المتعرّقة، لتقطع إلى الجهة المقابلة، فشيّعها بنظرات حذرةٍ سرعان ما استقرّت حيث توقّف زوج حذائها الأبيض عند عربة ملوّنة تُصدر أهازيج لحنٍ مميّزٍ.

كان الجوّ حارّا حين أمسكت بكنزها الثّمين، وبلهفةِ الظمآن حاولت لعق أولى القطرات السّائلة من المزيج البارد الرّطب؛ لتنسلّ من بين أصابعها قطرة أخرى؛  

وأخرى.. لطّخت الأرض وشوّهت معالمها.

حين انقشعت زوبعة الغبار واستعاد حواسّه الإدراك؛ هبّ أبو معاذٍ يتحسّس طريقه عبر الرّكام، كاتماً بصدره صرخة مدوّية لم يحل أوانها بعد حين استحال المكان الصّاخب إلى سكون هامدٍ، حتّى شرخت نداءاته الهلِعة انسداد حنجرته المتحجّرة لمّا رأى الأشلاء متناثرة هنا وهناك.. 

- ندى.. ندى..، أين أنت يا صغيرتي، أجيبيني؟

لكن هيهات، فأنّى لها أن تجيبه وقد طُمر جسدها الغضّ تحت الأنقاض، ليشهد حذاؤها الأبيض المضرّج بالدّماء على بشاعة المنظر..

لحظاتٌ من الشّرود أسْرت به إلى الجحيم، ليعرج منها عائداً،، التفتَ حوله ونظر إلى الجموع المتحرّكة.. ليقرأ بداخل كل منها حكايا مشابهة وحّد فيما بينها عنوان الفقد والوجع..

تنهّد بحرقة المُلتاع، ليستجمع بعدها وهن أنفاسه اللّاهثة، وتوغّل داخل السّوق متحاشيا الاحتكاك بالحشد، حتى اصطدم بمن أعاق طريق تسوّقه، ضرب بكفّيه ممتعضاً " لاحول ولا قوّة إلاّ بالله، لم نكد ننتهي من بلاء الحرب وأوزارها، حتى ألقى هذا الغلاء اللّعين بثقله علينا.. حسبنا الله ونعم الوكيل".

طفِق يجوبُ في حيرةٍ من أمره بين ألواحِِ دُسِرتْ فيها أثمان البضائع المعروضة، وأوراق الملح التي بحوزته حتما ستذوب قبل استكمال لائحة الأغراض المعتادة، ولكن ماذا عن ملابس العيد الخاصة بالأولاد..؟ عُلا وأروى تحتاجان لفستانين وأحذية، عبدالله سيحتاج لقميص وبنطالٍ و...، قطع النّدم تعداده لبقيّة القائمة حين استحضر مكالمة أجراها مع ابنته البكر، التي ترجّته كثيرا بأن يقبل تكفلها بمصاريف كِسوة العيد لإخوتها الصّغار، والآن ماذا عساه يفعل..!

طأطأ رأسه في رضوخ، ثمّ أكمل تسوّقه وعاود البيت، حيث استقبلته ذات الوجه الصّبوح، أخذت منه الأغراض وهي تدعو له بالصّحة ودوام الرّزق، اتكأ يلتقط أنفاسه من التعب، فلاحظت الوجوم وقد طغى على مُحيّاه؛  فجلست إلى جواره، ربتت على كتفه لتخاطبه بهدوء:

- "لم يفِ الراتب بتلبية جميع الحاجيات، وأعلم جيّدا أنه من الصّعب عليك تقبّل النّقود من ابنتنا التي تكابد الصّعاب مع زوجها في بلاد الغربة؛ لكنك أدرى بالحال، ويكفي ما كابدناه من حرقة أحالت أفئدتنا رمادا. 


غصّت به العبرات، هموم الماضي وأعباء الحاضر قد استنزفت جميع قواه، ليعيد التفكير في كلام زوجته،

تنحنح أبو معاذٍ متحررا من جلسته، انفرجت ملامحه قليلاً وأومأ برأسه قائلا

- "حسناً.. على بركة الله، غداً أذهب لمكتب البريد لاستلام الحوالة وبعدها نذهب معاً لشراء ملابس الأولاد.."


في صباح اليوم التالي، قصدا مكتب الحوالات، ترك أمّ أبنائه في السيارة العجوز، وترجّل يزاحم طوابير لجموع ساخطة؛ حتى استوقفته لافتة علّقت على مدخل مركز البريد، فتهجّاها الأب المصدوم بذهول.. ! 


<< زبائننا الكرام، يؤسفنا إعلامكم أنه تقرّر إغلاق جميع مراكز البريد بالمحافظة، إثر تفشّي العدوى في صفوف الموظفين، وبناء عليه تمّ تعليق النشاط إلى غاية إشعار لاحق >> .


تمت..


*******


مجد محمد وليد (جودي)..






















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية