« وأبي أيضا كان ساحرا »
كانت الجبال و التلال و الجرود البعيدة تسكن في يده،
و كان يطوّع وعورتها بنظرةٍ حادة ثاقبة؛ فنظن أنه غاضب منا ،
لكنه يسترسل مشغولا بفكرة ذكية، فكان يزرع فوق ابتساماتنا أشجار كمثرى و تفاح، بينما يصنع من حلمه جديلة طويلة يعلق بنهايتها دلواً استعاره من أمي،
و يلقي به في بئر الفرح، ثم يشده و يشده ليخرج ممتلئا حتى حافته بحكايات اللهاث و التعب .
كل صباح كان ينحني بهيكله العملاق، و يطوي طوله الفارع ليعلق عنقه بين أذرعنا و أكفنا و أصابعنا الصغيرة ،
ثم يوهمنا بأنه ذاهب لعمل ضروري؛ كي لا نبكي لأن الحكاية لم تكمل سرده لنا..
ذات صباح، اتصقت دمعتي بأصابعه السمراء، فسال حنانٌ غامرٌ من عينيه الرماديتين، ووعدني أن يخبئ في جيبه نزهة ربيعية؛ يجلبها لي معه في المساء،
لكنه مشغول جدا، ولن تسمح له الصخور الشريرة الوعرة بحمل الأطفال إليها، لأن الشمس التي في قلبه ستصاب بالدوار، و سيذوب ضياؤها مريضا، فتزور عيناه الرماديتان غابة الحزن.
حملني أبي الى الشرفة، و أشار إلى دروب الصخر و اصطاد رعونتي بكلماتٍ طفولية ليلقي ببكائي على الرصيف المقابل لبيتنا.
يومها حملت الانتظار على كتفي ساعات النهار الطويلة،
و جذبتني الشرفة تحت الشمس،
حتى أن أطباق الطعام كانت تأتي إلي، و قبعتي، و لمسات أمي التي صنعت من أغطية السرير خيمة كمنازل البدو،
و كل هذا؛ لأنني أريد أن ألمحه يمشي إلى الغابة عبر دروب الحجارة الشريرة .
قبيل المساء لاح هيكل أبي من بعيد يصطاد غيمة كبيرة و يعصر في جعبتها دعاء صادقا و يرش في زواياها حفنة من تعب و صمت،
و يعود إلينا بجبل من انتظار؛ يربطه في فسحة الدار قرب حبال الغسيل هناك، و يقطف منه لُقَماً من الصبر يعطيها لأمي كي تطبخ منها حساء العشاء .
خلود برهان
•••••••••••
نثيرة معتدلة
الخيال فيها افرز صورا غير معتمة
تساوقت الرموز فيها ليست عصية على الفهم
مشاهدها تسير محكمة الى فضاء واحد شديد وضوحه في ذهن الفاضلة خلود
ترخي بين يديك لغة ساحرة تتبعك وليس انت الذي تتبعها تستقر فلا تتنافر تغنيك وتلون لوحة تودعها في ذائقتك بالوان زاهية كفراشات حقل تدخل الفرح في قلبك وأحيانا الاسى لما تودع الطفلة أباها
من الصور المركزة المتخمة أناقة
"ذات صباح التصقت دمعتي باصابعه السمراء "
سيدهشك الاقتدار على اختيار المفردات التي سترسم لاحقا الحكاية ورغم ان هذه المفردات ذات عدد قليل الا ان وراءها مشاهد مزدحمة كثيفة الدلالة
"ذات صباح" ستوحي اليك هذه العبارة ان الحياة تبتدئ كل يوم مع ذلك الصباح الذي التصقت الدمعة الحزنى بالاصابع التي اكتوت بمشاق السعي والكد.. أصابع سمراء ليست لا بيضاء ولا ناعمة ولا اتخذت الدعة والكسل لها سبيلا ستنغرس في مخيلتك الصورة وتتفتق الى صور كثيرة
فتاة صغيرة تتعلق بابيها كما الفتيات ربما تستعطفه الا يرحل عندما ذرفت تلك دمعة ...
لقد سولت لي نفسي مثل هذه القراءة والنص يحتاج إلى وقفة أطول انا لا احسن أمثالها
تحية للفاضلة خلود التي نجحت في تأريخ يوم ظلاله ممدودة كل الايام
••••••••
وليد كاف
