قراء لقصة
(أقدام صغيرة )
للقاص بسام الأشرم /فلسطين
بقلم /عــــــــــادل المعمــــــوري / بغداد
تعقيب / محمد البنا..مصر في ١٠ يونيه ٢٠٢٢
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
أقـــــدام صــــــغيرة
يحاول متلهّفاّ دسّ قدميه الصغيرتين داخل حذاء قديم ضيق،ما زالت أمه تفاوض على ثمنه
_هذا جنيهاَ هو ثمن حصتي الشهرية من الأرز ..لا أملك غيره
_وأنا اشتريته بجنيه من رجل كان مضطراً..أين ربحي ؟!
في زقاق مقابل كان طفلا حافي القدمين حزينا
يرقبُ حذاءة كيف تغتصبه ُ قدمان غريبتان !
بسام الأشرم ..غزة ..٢٠١٦
______________________________________
عملية سيميائية كونت لنا جزءا من الطريقة العامة للبنية القصصية ..في هذا النص استطاع الكاتب بسام الأشرم ان يختزل لنا عهود وعقود من الزمن الطويل في ابراز صورة الفقر في كلمات دالة ومؤثرة جعل المتلقي يبحث في ثناياها عن عمق المأساة في تصوير سيمي يهاجم الذاكرة مقتحما اياها ليكون صور في الذهن لاتمحى يحتفظ يها ارشيف الذاكرة حاله حال الكثير من صور الجوع والمعاناة والاستلاب الطبقي والانكسارات النفسية والاجتماعية على كافة الصعد والمستويات ..يعنون النص باقدام صغيرة في اشارة واضحة على ان بطل القصة طفل صغير لم يبلغ الحلم ..(يحاول متلهفا دس قدميه الصغيرتين داخل حذاء قديم ضيق )عملية تشتعل فيها الحركة وانحنائة الطفل الذي تعتمل في دواخله فرحة طارئة بوجود حذاء لتلكما القدمين التين فارقهما الحذاء أو النعل منذ فترة طويلة ..مقاس الحذاء لا يناسب قدمه ...الطفل الآخر له قدمين صغيرتين وهذا الطفل بقدمين كبيرتين ..ربما لم تتعودا لبس الحذاء لخشونتهما وتعودهما على القسوة في وطيء كل شيء حاد ومؤلم ..اشتغل الكاتب بسام على انزياح له من الأهمية في انارة المسشهد القصصي في محاولة هذا الطفل ارتداء حذاء قديم لا يملك مرونة الدخول في قدمه وربما خشونة وقساوة قدم الصبي الصغير حالا دون ان تكتمل تلك المشهدية التي يظهر من جانبها الاخر الأم وهي تساوم التاجر أو صاحب المحل في في قبول ما عرضته عليه من سعر وهي تخبره انه ثمن بيع حصتة الرز الشهرية ولا تملك غيره ..تلك الصورة البلاغية التي لم تكن لغوية تحديدا بل نقول عنها صورة ايقونية عملت وتعمل على فتح سرديات واسعة في فضاءات ليس لها حدود وهي ثنائية في حد ذاتها في هذا المشهد التعبيري ..صورة الطفل وهو يحاول جاهدا ارتداء حذا ضيق لا يناسب حجم قدمه والصورة الثانية المرافقة للمشهد هو مساومة امه للتاجر او بائع الخردة في القبول بالثمن لاجل طفلها ..اذن تلك الحوافز المغترضة لتلك الثوابت الزمكانية في هذا المشهد وهي ابرزت لنا الجزء الثابت كما يقول (توما شفسكي )لقد توصل المتلقي الى حالة هي عقدة الحدث في هذل النص عندما يسترسل الكاتب في عباراته الأنيقة ليقول لنا عبر السياق السردي (في زقاق مقابل كان طفلا حافي القدمين حزينا يرقب حذاءه ،كيف تغتصبه قدمان غريبتان )..البائع انتزع الحذاء من طفل فقير آخر بمساومة رخيصة مع ذويه ليبيعه لطفل آخر أشد منه فقرا ..وان كنتُ معترضا على عبارة _يرقب حذاءه كيف( تغتصبه ) قدمان غريبتان..تلك القدمان الغريبتان لم تكن لتغتصبه وعملية الاغتصاب تكون بفعل من يتعدى ويأخذ الأشياء عنوة رغما عن صاحبها ..فليس ذنب الطفل الصغير الجديد ان يكون مغتصبا _بكسر الصاد_ بقدر ما كانت العملية استبدال قدم بقدم أخرى تشتركان بالمأساة ذاتها بفعل خارج عن ارادتهما والفعل قام به التاجر أو البائع الذي لا يهمه أمر الفقراء كل همه أن يربح ولا شيء عداه .. لذا جاء تعميق المشهد في قدح زناد تلك ال الجدلية المستديمة ليصيغها الكاتب بسام الأشرم بتكثيف عال ومفردت منتقاة بعناية وادراك كبيرين ..فهو يعرف <الكاتب > كيف يستثير كوامن العبث في ايقاد الرماد لتنبثق شعلة ضوء وهاجة في موضوعة قديمة جديدة باسلوب جميل خالِِ من الترهل جعل المتلقي في غنى عن الكثير من التفصيلات الأخرى ..
عادل المعموري ..العراق ٢٠١٦
.....................
تعقيب :
لشد ما لفت انتباهي عندما اعترضتني هذه السطور، وأنا أتصفح منتدى التواصل الاجتماعي ( الصفحة العامة للفيسبوك )، هو تلك الروح التي قفزت فجأة من بين السطور، وتلبستني قائلة " نعم أنا هذه وتلك ".. ولم أكن في حاجة لبذل جهد في تبين ملامحها - الروح أقصد - فقد تداعت المشهدية من متن النص حال قراءتي له، لتتمازج مع مشهديتن حد الانصهر الكلي، بحيث أصبح المشهد الواحد في ثلاثة مشاهد، والثلاثة مشاهد في مشهد واحد !.. تجسدت في ذهني لحظيًا قصة * نظرة * للرائع الراحل / يوسف إدريس، وتجسدت أيضا مشهدية قصتي * ماذا لو ؟!*..أي تمازجٍ هذا !! وأي انصهار!. وي ..كأن ثلاثة أرواح تلاقيا للحظة زمنية فارقة، ومختلفة التوقيت الزمني لدى ثلاثتهم، فأبدعوا ما أبدعوا من رحم واحد..أنه لجد تلاقي أرواح هائمة في فضاء الأدب، لا تهدأ ولا تكل، إنما تنثر عبق سحرها فتملأ به قارورة الوجود الذي على اتساعه الزمكاني ضيقٌ جدا، أنه الإعجاز غير المرئي..أبدع إدريس قصته منذ ما يزيد عن الخمسين عاما، وأبدع الأشرم قصته منذ ست سنوات، ولحقهما البنا أو اقتعد منتصف المسافة بينهما..لا أذكر زمن مخاض قصتي على وجه الدقة.
ثلاثة إبداعات تباينت بصماتهم السردية، وتماهت أرواحهم المنبعثة من خلف السطور.
محمد البنا..القاهرة في ١٠ يونيو ٢٠٢٢
