زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الخُبــــــــــــــز القانـــــــــــــــــي _بقلم: أ. مهدية أماني الرغاي






الخُبــــــــــــــز القانـــــــــــــــــي

***************************



أنت مطرود ..إ نتهى عقد عملك.. 
لفـَــظ َ الكلمات مع دخان سيجارته، يتفنّن هذا النذل في جعله يخرج كخواتم لا شائبة بها، وضعه المريح على كرسي فخم يسمح له بذلك، يسحب أكبر كمية من الدخان ويحتفظ بها كمن يتمضمض ينْتني مسند الرأس تحث ضغطه يحرر رقبته فتظهر تفاحة آدم صاعدة هابطة، ود لو يقتطفها ويلقمها إياه.. يعرف هو أيضا كيفية عمل  الدوائر تلك،  دخن يوما كجواز انتماء لمجموعة شباب الدّرب، علموه كيف.. يُسحب أكبر ما يمكن من الدخان يُغلق الفم يُمرر اللسان نحو الخلف  من الحلقوم ويُطوى طولا كما الرغيف، ويفتح لتحرك حركات اللسان الهواء كمن ينقط حرف الألف  والحاء أأاْ ح ح  من الحلق  فيندفع الدخان بعيدا من الشفتين، ليشكل الصّفر العربي  أو حرف o اللاتيني.

 بدأ الأمر مُجاراة وكاد  أن يصبح إدمانا تخلص منه بصعوبة، استعجب كيف أنه يهرب من مُصابه إلى تذكّر تفاهة كهذه، ولم يصرخ أو يحتج على من لفّ وأوْلاه ظهره كإشارة انصراف ونَبذٍ..بقي مسمّرا على الكرسي الخشبي يتابع الأصفار وينظر إلى قفاه ..ويفكر كم هوسهل  ارتكاب جريمة، فاتح الرسائل الطويل الحاد المُفضّض  المقبض في متناول يده..وهو يعرف بالضبط نقطة الموت بين الفقاريات الواصلة للرأس بالجذع، مكانٌ غير منظور لكنه حيوي، معلومة لَزقت بذهنه من حصّة التشريح وتعليم لم يكتمل،  يفضل أن ينسى تفاصيله حتى لا ينكأ  جُرح خيبته، لن يحس هذا الكائن البغيض أنه يموت حتّى، سيمر إلى الجحيم بكل يُسر ويشتعل كسجائره..الدوائر ما زالت تحوم في سقف المكتب، دوّامتها تعصف به تبعثره وتلمْلمه في قُمّعها لتعيد بَعزقته من جديد..آلمه أن يعتبره  مجرد واحدة من  لفائفه وصِفر سُخامي هائم في هلامية  آخر دقائق له كإنسان مُنتج ..اِسْتفّ منه قوّته، أغلق دونه باب رزقه، طواه، نحّاه وألقاه كعقب عفِن بلّله اللعاب.. لم يسأل ما التهمة، فجريمة انعدام الكفاءات والشهادات، طالته كما الكثيرون مثله، اقترفوها وتبثت عليهم، يحاسبون عليها ويتحملون وحدهم تبعاتها..العمل فقط  بعقد شفوي وصورة بطاقة هوية وشهادة حسن سيرة، سنة إلا شهرا عمل لا غير، وبعدها صرف وانصراف ..ويسقط الحق في كل شيء، فلم يُتَم العام المُلزِم "للباطرونا الجشعة" بالترسيم في الوظيفة، والضمان الإجتماعي، والتغطية الصحية ..وتوفيرالحياة الكريمة للأذرع الكادحة .

  رأى نفسه وسط أكبر دائرة منها تصعد  به إلى أعلى، تبطحه أرضا ،ليتبخر أخيرا من باب لم يحدث صوتا وهو يوصده وراءه..لم يعد للبيت، فوقت الدوام لم ينته بعد ،استقبله الشارع بضجيجه وصخبه، أحس كأنه يبتلعته ويغوص في دهليز مظلم مخيف، أخذته خطاه إلى حيث البحر لا يكَل ّمن المدّ والجزر، العملية السرمدية المطهرة له من كل الشوائب ..شعر بضعفه إزاء قوة وجبروت ونقاء وصفاء هذا الفضاء الواسع الهائل المتماوج ..وتمنى لو يفيض وينْدفق ويأخذ إلى غَوْره تَأَزّف ووساخة أناس غادرت الرأفة قلوبهم. 
 اقتعد صخرة وأسلم نفسه لنسمات جاد عليه بها، تبرّد سعير الغبن والإحساس بلا جدوى حياة طالما تحدي عبثيتها بمرحه وحبه لها على عِلاّتها، واستخلص نفسه بقوة عزيمته ورضاه بقِسمته، من الضياع الوجودي القاسي المُربك موضوع  النقاشات المستعرة بين رفقاء درب البحث عن مخرج من فوضاها، ومن جحيم العوز والفقر وضيق الأفق.
  -الجانب السلبي ، يقول،  شفيق  ..هو الشق  الوحيد الذي يعري وجه حقيقتها   لنا لنراها   بدون رتوش..
يردف هو لاكزا صدره السمين..
-خذ لك معها صورة ثلاثة أرباع وعلقها فوق رأسك، وحدك ستُفلح من بيننا يا كومة الدّهن..
وينفجرون جميعهم  بالضحك .

الآن لم يعد هناك مجال للضحك.. البهْدلة أضحت مهْزلة ..انتهت مدخراته القليلة، وجاع أبناؤه وتذمرت زوجته .. فقصده  على مضض هو بالذات يستقرضه ما يقوّم أزره إلى حين توفّر عمل..شفيق الربّاحي.."سمسرة، بيع، شراء، رهن، تبادل "..تلْمع الحروف على زجاج الواجهة، يدفعها فيحدث ناقوس ما في ركن ما نوتات.. دو - ري- مي- فا.. يدخل،  يستقبله بحفاوة متكلفة كأنه زبون، من عينيه طالعته نظرة ليست نظرة صديقه الذي يعرفه، طرح  مشكلته بسرعة دون مقدمات ليجتَزّ مقابلة لم يرتح لها..استمع إليه وهو يقلب بين يديه حبات سبحة  في جحم بيض السّمان، ويمسد لحية لم يدر متى أستنبتها هذا المعروف بالأمرد العَابث. ..تفاجأ بقوله ..
 - كيف تحتاج مــالا وأنت ثروة متجولة  يا أخ ؟
التفت حوله تلمس جنباته، دار حول نفسه ، حطّ يديه أسفل ظهره واضعا إياها في جيبيْ سرواله الخلفيين كمن يحمي عِفّته..شيء ما مريب في الأمر، نظرته إلى كمال جسمِه وقوتِه، اقترابُه منه وتمريرَه لأنامله على نضارة وجهه وترديده ..ثرررروة، راكزا على حرف الرّاء، مُروْروَا إياه كزغرودةِ هبْلاء في عُرس لئام.. يتأجّج  الشك في قلبه .. لن ينهويَ إلى هذا الدّرك، لن يسمح بذلك، لن يطعم أطفاله حراما .. تحفّز وظهر الغضب على محيّاه، اِحمرّ وتمعّر، أمسك بخناقه يخضّه ويرُجّ شحومه، يلعن "سلْسفيل" جدوده  والظروف التي وضعت كرامته تحت جزمته الوضيعة،  جلجلت ضحكة "  الشفيق"  لما فهم ما يدور بخلده، هدّأ من روعه وطمأنه، تعلّل أنه لا يحتفظ بالمال في مقر الوكالة، نادي صبيّه  وأمره أن يصطحب "صديقه الحميم " إلى منزل الحاجّة زبيدة صاحبة "الشْكارة"..

المكان نظيف، هادىء وبه ملاك ومعدات يعرفها، لا توحي بِحَيَدانٍ أو انحراف، بياض الجدران والأغطية والمقاعد  الطبية المستطيلة أنهوا صراعه مع نفسه.
على السؤال : 
-هل تعاني من علة أو مرض ما ؟
لم يجب..
 استكان واستسلم ليديها ..تقيس ضغطه، تطبطب على وريده حتى انتفخ، تغرز 
الإبرة فيه وتصِله بأنبوب،    يتابع انفِصاد عصارة الحياة  منه إلى الكيس البلاستيكي المتأجرح، يصُـكّ جفنيه على دمع يكاد يفر، يعض على شفته ويتماسك، يتذكّر خَصاصَته ويسكُت، ينتهي الاستنزاف ويقبض المقابل ..يعود إلى بيته محملا بما لذ وطاب.. في أعين أطفاله، مع كل لقمة يزدردونها..
يرى الفرحة
تكتسي
 لون 
القِرْمِز.

***********

مهدية أماني الرغاي

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية