زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

وطأة السوق _ للكاتب محمد بلكوز






"وطأة السوق"


وقف مشدوها لمرأى هذا الحشد الهائل، وراح يتابع بعينين مندهشتين تدافع الناس، وتسابقهم للوصول إلى بوابة السوق المصنف، بجهد تتفصد له أجبنتهم عرقا، وتزفر حلاقمهم تعبا، واختناقا، وهو يقول متحيرا "ما هذه اللعنة" فقد وجد نفسه بينهم محصورا، لا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر، فاضطر معهم إلى مدافعة لم تكن في الحسبان.
أدار عينيه في الحشد المتجمهر في ساحة السوق الخارجية لمرات، ومرات، لعن حظه البئيس لأكثر من مرة... ود لو أنه لم يفكر في ارتياد هذه السوق لاقتناء بعض الحاجيات، تمنى لو تأجلت الفكرة حتى يصل إلى الدكان المعهود، فيطلب ما يحتاجه بطنه الجائع...
لكن، لم يعد ممكنا ما يجول في خاطره، فوجوده الآن بين هذا الكم الهائل من الناس المتدافعين، لبلوغ عتبة باب السوق، وهذه الأصوات التي ترتفع غضابا، تطلب إفساح الطريق، والسماح لأصحابها بالنفاذ أولا للاستفادة من التخفيضات... لم تترك أمامه غير أمر واحد، وهو التفكير في إيجاد منفذ يسلكه للخروج من هذه الورطة التي علق بها، فبطنه لم تعد تناديه جوعا، وتطلبه بما يسد جوعته، بل أصبح جسده الذي بدأ يفقد السيطرة عليه، هو من يناديه ملحا على الإسراع في النجاة مما يطوقه من مناكب، وصدور، وجنوب، تحتك به بقوة.
حاول بكل ما أوتي من قوة أن يخلق بين المتلاصقين، والمتلاصقات، ممرا يخلصه من جوف الحشد... 
التمس منهم بأدب جم السماح له بالعودة... تضرع إليهم بعينين نديتين... صرخ في وجوههم مستنكرا... أطلق عليهم اللعنات طلقا... كال لهم السباب، والشتم... 
أشاح الجميع عنه وجوههم، وتهامسوا فيما بينهم، يتأسفون لحاله، ويقول بعضهم لبعض "الله على حالة"...
أعياه الصراخ، والتململ... بلغ منه الجهد مبلغا عجزت معه قدماه على حمل جثته... تسربت إلى صفحتي وجهه صفرة، حتى بدا كأن الدم قد جف من عروقه... اضطربت أنفاسه... دارت الأرض من حوله بما تحمله من أناس لا يهمهم شيء سوى الانسلال إلى داخل السوق...
غارت عيناه، وخذلته قدماه، فخر على ركبتيه، تمنعه أجسام المحيطين به على التمدد أرضا... 
علا صوت فج، تجفل منه أذن سامعه، يلعنه، ويستنكر صنيعه، يتهمه بالاحتيال، والتظاهر بفقدان الوعي ليتمكن من النفاذ إلى بوابة السوق، وختم زعيقه قائلا "هذه طريقة قديمة" ليقسم على أن من يصدقه ساذج... 
وسمع صوت آخر، فيه رقة ممزوجة بقساوة بادية، يتعالى في صخب، ويقول "اتركوه ولا تلتفتوا إليه، فما دمتم تهمتون به، فسيبالغ في غبائه حتى يخدعكم، دعوه، فإنه سينهض بعد أن ييأس من خطته"...
تحاشاه الجميع بعد ما كيلت له التهم، وخطر لعجوز سلبه الزمن قوة رجليه، أن يتكئ على إحدى الفتيات ليخزه بعكازه، عله يعود إليه الرشد، ويصحو من الاستهبال، وراح يخزه بما استطاع من قوة، لكنه لم يستجب، واستمر على حاله فاقد الوعي، متدلي الرأس، يغطي شدقيه رغوة خفيفة.
تنبهت الفتاة لفعلة العجوز، فانفجرت في وجهه المتجعد غضبا...
وما رفعت عقيرتها، تستدر عطف المحتشدين في الساحة، حتى انفتحت بوابة السوق، وتدفق الحشد هرولة، وتدافعا، يرفسونه رفسا، ويطأون جسده الهزيل دون أن يلتفت أحد إلى وجوده...
انجلى الحشد عن الساحة، وبرزت جثته منكمشة على نفسها، ترشح دما، وقد تقطعت عليها الثياب، ومالت لتستقر على شقها الأيسر، وهو يمسك بقوة بخاخة طبية، وبجانبه تقف الفتاة يسترسل الدمع من عينيها...
مرت لحظات قصار، لينتشر الخبر معيدا الحشد إلى الساحة، فأحاطوا به ذاهلين، يتمتمون الحوقلة، ويترحمون على روحه الطاهرة... ثم تدفقوا هرولة، وتدافعا، تجاه البوابة، فور نقله إلى مثواه الأخير في سيارة الموتى.


محمد بلكوز

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية