(القاتل)
*******
لم أكن قد تجاوزت الحادية عشرة من عمري، عندما قتلت عصفور امي، الكناري المدلل! لا أعرف كيف حدث ذلك، حتى أنني لم أخطط للأمر كما يفعل أغلب المجرمين! كانت مشغولة مع أحدهم في غرفة نومها، كنت نائما عندما صحوت على ضحكات داعرة وصرخات متقطعة ،مصدرها تلك الغرفة التي أدعوها غرفة أمي! كتمت غضبي في داخلي، ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي كانت تنام فيها مع الآخرين! إلا أن شعورا جديدا أخذ يطرأ على تصرفاتي،وباتت مشاعري الحقيقية كرجل صغير تطفو على السطح! ببساطة،وجدت نفسي أغار على أمي. رحت امشي على أطراف أصابعي، ألصقت أذني بالباب ورحت أصيخ السمع وقلبي يخفق! كان صوتها يصل خافتا مبتهلا ومتوسلا، تبا لك أمي! لطالما توسلت لك من أجل أشياء تافهة طلبتها، لكن دون جدوى ،وها أنت تتوسلين كطفلة خرقاء. وضعت عيني اليمنى في ثقب الباب، سحقا، اصطدم بصري بظلام الغرفة ،كان ثمة نور أحمر باهت، لكنه لا يظهر كل التفاصيل التي أريدها ! راح صدري يعلو ويهبط وتجمعت الدموع في عيني، إنها تضحك الآن! سأريك ماما، سنعرف من هو رجل البيت!. كنت أعرف مدى تعلقها بصغيرها الكناري، حتى أنها كانت تطعمه من فمها في أحيان كثيرة، رحت أدور حول القفص ذي الأسلاك الفضية، الملعون كان مستغرقا في النوم وقد أسند رأسه الفاتن على صدره، نقرت بطرف سبابتي على باب القفص، ارتبك الطائر وزعق بصوت خافت ثم تعلق بالزاوية وأخذ يحدق في عيني!. لم يكن لدي وقت طويل للهو معه، ومادامت رغبة الانتقام تغلي في صدري فعلي بالإسراع إذن! هكذا فكرت قبل أن أفتح باب القفص، وأمسك بالطائر الرشيق، لكن بيد من حديد. أخفيت الكناري اللعين خلف ظهري ولم أترك له مجالا للتنفس حتى!، رحت أمشي على أطراف أصابعي، ألصقت أذني وأرهفت سمعي جيدا، سكون مابعد العاصفة، حتما الاثنان غافيان الآن. كان قلب الطائر ينبض في يدي ، كنت أستطيع الشعور بذلك ،آه، مازال حيا إذن! فتحت كفي ببطء، حرك رأسه وحاول الانتفاض لكني كنت أسرع منه، أمسكت بعنقه الهش بين الإبهام والسبابة ورحت أضغط بقوة، شيئا فشيئا همدت حركته ثم أخذ يتأرجح مثل بندول الساعة. كان قلبي يخفق بسرعة،شعرت ببعض الخوف قليلا فالتفت بسرعة للخلف، لاشيء، هدوء تام، انقلبت عائدا لسريري بعد أن مددت جثة الطائر في القفص، سحبت الغطاء حتى رأسي، ثمة قشعريرة أخذت تعتري بدني، أسناني تصطك، مع ذلك فأنا أشعر براحة غريبة! لقد تخلصت من أحد غرمائي أخيرا ، وإن كان غريما ضئيلا وتافها! أخذت أهذي، كنت أعلم أنني صرخت مرات عدة في أثناء نومي المتقطع، لكن في النهاية غفوت، لم أستيقظ إلا على صرخات أمي!. وجدتها وقد التفت بثوب نومها الأسود شبه العاري قرب القفص، كانت تضع الطائر بين كفيها ،وهي تحدق في جسده الصغير بشرود، قلت وكأن لا شأن لي بما حدث، حتى أن صوتي بدا صادقا ومتعاطفا :
-ماما، سلامتك ألف سلامة، سمعتك تصرخين، أوه، ماهذا! مابه طائر الكناري الجميل!؟. لويت عنقي صوب كفيها، أرتني العصفور الذي بات ضئيل الحجم، قالت وقد تجمعت دموع كبيرة في عينيها :
-العزيز، وجدته هكذا في القفص، لم تسنح لي الفرصة لتقديم الفطور له! ظننته راقدا، لكن آه، انظر صغيري ميت الآن. كدت أن أضحك، يالي من مغفل، كيف لم أنتبه لمشاعر هذه المرأة من قبل، وكأنني لست طفلها أو حتى عصفورها مثلا! تقدمت صوبها ورحنا نداعب معا بلطف ريش الطائر الهامد، قالت وهي تتنهد :
-خذه حبيبي، احفر له وكن رقيقا عندما تدفنه، هل سمعتني جيدا. أومأت برأسي وأنا أمد أصابعي بحذر صوب جسد الطائر الهش، تقدمت صوب الحديقة وقد قررت دفنه هناك، سمعتها تتحدث إلى نفسها :
-سأجلب واحدا غيره، نعم لابد أن أفعل وسيكون الأجمل هذه المرة. تجمدت قدمي للحظة، شعرت بأنني سأبكي لامحالة، لكني تحاملت على نفسي وتقدمت للأمام وأنا أهمس لنفسي :
-سأقتله يا أمي، أعدك بأني سأفعل هذا في كل مرة!. (تمت)
*****************
بقلم /رعد الإمارة /العراق
26/2/2020
