- كلمات تحت المجهر -
***************
نحن هكذا ، نعيش في عالَمَيْن متجاورَيْن متناقِضَيْن ، لا بدّ من كليهما ، عالَمٌ يفيض بالصّدْق و الحب و الرحمة و الدّفء و السكينة و الحنان ، هو عالمُ الأسرة ، حضن أم ، و حنان أب ، و مودة أخ و أخت ، و دفء زوجة ، و طاعة أبناء ، و هناك عالَمٌ آخَر خارجي ، مليئ بالضجيج و الخدع و الأكاذيب و الشراسة و الهمجية و العنف ، رغم ذلك كله نرى أنفسنا نميل نحو ذلك العالم الآخر ، ننجذب إليه ، نمتزج فيه ، نمارس فيه كل أنواع الرذائل و الحماقات و الشرور دون أن يطرف لنا جفن ، و نتلقّى فيه المهانة و الذّل بكل رحابة صدر ، لماذ كل هذه الحيوانية و الضراوة ؟؟ و لماذا كل هذه المعاناة ؟؟ ، كل ذلك لإرضاء غريزة حمقاء ، غريزة بلهاء ، غريزة حبّ الظهور و إثبات الذات ، غريزة إرواء ظمأ الكمال ، بطريقة بشعة ، لا تزيدنا إلّا نقصاً ..
بعد مرحلة الطفولة ، يبدأ النور الذي بداخلنا بالإضمحلال و التصاغر و قد يصل الى الإختفاء ، بسبب اندفاعنا اللامنطقي نحو العالم الآخر ، و بسبب دوافعٍ هوجاء لا بدّ منها ، دوافع جنسية ، و دوافع أخرى لحب الإختلاف ، و سيطرة غريزة حب الذات و الكمال بطريقة غبية و عدوانيّة نعتقد أنّها عين القوة و الذكاء و التميُّز ، و للأسف نرى هذا الظلام يغزو داخلنا حتى الى ما بعد سن الوعي و النضوج ، فلا نزداد إلّا رعونةً و سخافةً و نقصاً ..
نظنُّ أنّنا حكماء و ذوي خبرة لا محدودة ، نتحدّثُ في كل شيئ ، و نفهم كلّ شيئ ، و نحلّل كلّ شيئ ، على رأس ألسنتنا جواب لكلّ سؤال ، و تتناثر الحكمة من أدمغتنا كشلالٍ هادر ، رغم أنّنا على علمٌ يقين بأنّ الحكمة شيئ لا يُنْقَلْ ، الحكمة التي يحاول حكيم أنْ ينقلها تبدو دائماً سخيفة ، المعرفة هي التي يمكن أنْ تُنْقَلْ ، أمّا الحكمة فلا ، فقد يستطيع المرء أنْ يجد الحكمة و يعيشها ، و يقوم بأمورٍ مدهشة و عظيمة من خلالها ، لكنّه لا يستطيع أنْ ينقلها أوْ يعلّمها ..
قد يبدو كل ما ذَكَرْتُ هنا تافهاً و سخيفاً و ليس له معنى ، لأنّه الحقيقة ، أو شبيهٌ بها ..
هنيئاً لِمَنْ وفّقه الله بعالمٍ خارجيٍّ صافٍ ، و صديقٍ وفي ينتزع الأدران من داخله و يدلُّهُ على الحقيقة و النور ..
***********
صلاح الغانم
