زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

كوك مان _بقلم : أ. شمس الأصيل




 قصة قصيرة:
-------------- 
 كوك مان*
------------

     
  جلست في حديقة المنزل أتشرب أشعة الشمس لعل أطرافي المتيبسة تلين، أحيي رميم عظام روحي بمناظر الخضرة التي بدأت تبسط نفوذها على الأرجاء. أخذتني نضارة الطبيعة بكل ما فيها من خلائق متجانسة إلى تفكير عميق، ربما ليس عميقا عند أكثركم، ربما بات مستهلكا لا طائل منه، سأخبركم بفحواه على أية حال و لكم الحكم؛ لقد فكرت بأي منطق تتعايش هذه الطبيعة؟؛ هو مبدأ تكافؤ يا ترى!، أم مبدأ تنازل؟!.
       غصت في أفكاري للحظات، خلت فيها نفسي فيلسوفا متأخرا عن عصره؛ إنها ليست فكرة سيئة!، بماذا تفوق علينا الفلاسفة حتى حازوا هذه المكانة دوننا؟!. تساءلت ببلاهة؛ فالإجابة أوضح من نتيجة مباراة كرة لعبت منذ سنوات.
       ابتسمت بسخرية على حالي، و رفعت بصري عن شجرة اللوز المزهرة، التي تدور حولها أسراب من الحشرات الطائرة، أتتبع خطوات ديكنا الهمام الذي لا يتوانى عن مهاجمة أي فرد من العائلة؛ كبيرا كان أم صغيرا، رجلا أم امرأة، حملت الأنبوب البلاستيكي الأسود الذي أستعمله كسلاح دفاع ضد هذا الفارس المغوار، و استعديت لأي طارئ محتمل.
      مر من أمامي ينفخ أجنحته المزركشة خيلاء، لم يلتفت إلي؛ لم أعرف إن كان ذلك عدم اهتمام منه، أم خوف مغلف بالمكابرة. ماذا؟! ... عدم اهتمام!؛ لم العجب؟ فلا أحد يهتم بالآخر هذه الأيام ما لم يجد به عيوبا يتصيدها. ظلت نظراتي تتبعه كظله؛ إنها غريزة الفضول تتعملق بداخلي و لن تهدأ ثورتها حتى تعرف إلى أين ستنتهي خطوات ''كوك مان'' كما اصطلح على تسميته أطفال العائلة.
    إنه يتأنق في مشيته أكثر! ، ينشر أجنحته كبرنوس عريس في موكبه، يصدر أصواتا ذكرية ثائرة، اشرأبت عنقي أستطلع هوية القادم نحوه، أرى من هذا الذي يستحق كل هذا الاحتفاء؛ إنها دجاجتي السمينة!، لقد جددت ريشها مؤخرا فأصبحت أأنق دجاجة في حضيرتنا المتواضعة. اقترب منها في زهو غامر، ظل يرقص من حولها، ازدادت ترنماته صدوحا، بينما تبدي هي تمنعا مصحوبا برغبة مكنونة؛ تمنيت لحظتها أن أمتلك شطر ذرة من ملك النبي سليمان حتى أفهم ما كان يطرب به ''كوك مان'' آذان محبوبته. 
        في خضم اندماجي مع المشهد الرومنسي الذي غاب حضوره بعالم الإنسان إلا في مشاهد تمثيلية عبر الشاشات، أو توصيف لغوي عبر الصفحات؛ لفت انتباهي اقتراب ديك الجيران بخطوات واثقة، في استكبار جلي. اعتدلت في جلستي أترقب نشوب حرب ضروس بعد لحظات؛ فحسب ما لاحظته من أيام أن ''كوك مان'' لا يسمح لقدميه أن تطآ أرض بستاننا، أظن أن هذا الفعل في عالم الديوك يعتبر عدوانا غاشما. مهلا! ... أذكر أني رأيت ديك الجيران بالأمس هاربا من أحد الديوك الضخمة بحضيرته، ليستأنس بدجاجاتنا الجديدات اللاتي مازلن منعزلات، تحاولن الحفاظ على ما تبقى من تمدنهن، أظن أن هذا هو سبب تخلي ''كوك مان'' عن حمايتهن؛ طبعا! ... هذا هو السبب الوجيه، إنه سيد الحضيرة و من خرج عن طاعته فقد حمايته؛ لذلك لم يأبه لأمرهن و تركهن لديك الجيران، لكن بكل تأكيد لن يسمح له بالتمادي أكثر، خصوصا أن الأمر يتعلق بسيدة دجاجات الحضيرة و رفيقة دربه منذ قدما هنا كصوصين؛ هذا ما دار بذهني في غضون لحظات معدودة، كانت خطوات الديك الآخر تغتصب خلالها مزيدا من مساحة البستان، متوجهة في تعجرف ناحية بطلي مشهدي الهارب من إحدى الأفلام الهندية القديمة.
     حبست أنفاسي ترقبا للحظة الانقضاض الأسدية، بدأت العد في خفوت؛ ثلاثة ... اثنان ... واحد ... صفر!!!، ظل حرف الراء يتردد و لساني يهتز بجوف فمي المفغور في دهشة من نهاية المشهد!.
لقد ذهبت بصحبته!، لا أصدق! ... سيدة دجاجات الحضيرة تغادر مع ديك الجيران أمام ناظري ''كوك مان''!. وقفت من هول الصدمة تاركة سلاحي مطروحا أرضا، أعدت بصري لأنظر إليه بعد اختفائهما بين الأشجار، لقد تحرك أخيرا، إنه يستدير عائدا من حيث أتى، كنت أراقب خطواته المتثاقلة و أجنحته المتراخية كما لو أنها مقطوعة، فكرت لوهلة بمدى خيبته و انكساره الآن، لكنه لم يمهلني فرصة التعاطف معه و انقض علي بقفزة سركية بهلوانية، ركضت بأقصى سرعتي إلى الداخل و حال لساني يقول: < أسد علي 
و في الحروب نعامة >.

تمت بحمد الله. 
-----------------


*كوك = كلمة باللغة الفرنسية تعني الديك. )Le coq)
*مان = كلمة إنجليزية تعني رجل.
(Man )

------------
قلم شمس 

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية