عَيْنُ الصَّقْرِ
-------------
قراءة نقدية في نص ﴿ اِنْحِدَارٌ ﴾
للقاص: أسامة الحواتمة/ الأردن
القراءة: صقر حبوب / فلسطين
رابطة رواق أدبياتنا المنوعة
أولا النص:
-------------------
اِنْحِدَارٌ
الْرِّيشَةُ الَّتِي طَالَمَا دَمَغَتْ جِزْيَتَهُمْ رَمَوْهَا فِي الْنَّهر، لَمَّا اِزْرَقَّ الْفُرَاتُ بِحِبْرِهَا... اِحْمَرَّتْ خَرَائِطُنَا!.
ثانيا القراءة:
--------------------
الفكرة :
تتحدث قصتنا القصيرة جدا عن :
التفريط بماض تليد وحضارات وفتوحات إسلامية تعددت ألوانها وترامت تخومها لتمتد من حدود الصين في الجزء الشمالي الشرقي من قارة آسيا إلى غربها وشمال إِفريقيا
وصولاً إلى الأندلس.
ولقد ساق القاص هنا رمزا لذلك وهي الجزية.
والجزية هي :
ضريبة إسلامية تفرض على الرجال من أهل الذمة ولا تطبق على النساء والأطفال، ومن هنا ينقلنا القاص بصيغة أدبية باستخدام
(أسلوب الحذف) إلى فريضة أخرى وهي (الجهاد) دون ذكره حيث تطبق الجزية على كل من يستطع حمل السلاح من غير المسلمين وذلك لسقوط فرض الجهاد والدفاع عن الدولة عنه.
العنوان :
﴿﴿ اِنْحِدَارٌ ﴾﴾
--------------------------------
تتجلى أهمية العنوان في الأتي.
* هو الواجهة الإعلامية للنص.
* مفتاحا للتعامل مع النص في بعديه ( الدلالي والرمزي )
* هو مرآة النسيج النصي وشرك الأديب لاقتناص القارئ.
* العنوان علامة كاملة تحمل دالا ومدلولا.
ويجب أن تتوافر السمات التالية في العنوان الناجح:
* السلامة اللغوية.
* الإيجاز والتركيز.
* الانسجام مع النص.
*تقديم معنى دقيقا ومفيدا.
* يتمتع بالموضوعية والتوازن.
* أن يكون جذابا ومشوقا.
* احترام الذوق العام.
اِنحِدار: (اسم)
-------------
مصدر اِنْحَدَرَ
وتأتي بمعنى التَّدَحْرُجُ مِنْ أَعْلَى الجَبَلِ.
وبمعنى سَيَلان، اِنْسِكاب، سُقوط، وجَرَيان للدَّمْعِ.
وبمعنى آخر تدهور وهبوط للصحة.
وتحمل بطياتها التأخر والتراجع والهزيمة وهو تحديدا المعنى الذي قصده الكاتب بمرادفته كعتبة لنصه لتتوغل بالاستهلال والمتن وتؤهلنا للمفارقة والدهشة بالخاتمة.
متن النص :
-------------
وبالانتقال إلى متن النص سنجد أن الكاتب توافرت لديه كل ( أركان) القصة القصيرة جدا ( وتقنياتها) من حيث،
﴿ ١ ﴾ المعيار الكمي.
﴿ ٢ ﴾ المعيار الفني.
﴿ ٣﴾ المعيار التداولي.
﴿ ٤ ﴾ الخصائص الدلالية.
المعيار الكمي.
التزم الكاتب بقصر الحجم الناتج عن التكثيف وضغط الكلمات والتركيز والتدقيق في اختيار الجمل وانتقاء المرادفات الملائمة والبعد عن الحشو والإطالة.
فجاء بمجموعة من الأفعال بصيغة الماضي وكذلك مجموعة من الأسماء المتناغمة، والجمل المرتبطة بثيمة النص من غير شذوذ أو نفور
مثل:
﴿ دَمَغَتْ - رَمَوْهَا - اِزْرَقَّ - اِحْمَرَّتْ ﴾
ومثل:
﴿الْرِّيشَةُ - جِزْيَتَهُمْ - الْنَّهر - الْفُرَاتُ - بِحِبْرِهَا - خَرَائِطُنَا﴾
المعيار الفني.
وهو الخاصية القصصية متمثلة في أبطال القصة القصيرة جدا وشخوصها وأحداثها.
﴿﴿ المسلمون - أعداؤهم ﴾﴾
أما عن الحدث:
فهو ذلك التحول السلبي من الريادة والقوة إلى الهوان والتبعية والضعف.
المعيار التداولي والخصائص الدلالية.
الموقف الدرامي تم تصويره من خلال رسائل متخفية واستعارات وكناية ومجاز لغوي فلم تأت سطحية مباشرة بل تستثير بالقارئ الاستنتاج والتأويل.
اعتمد القاص على أسلوب بلاغي بقصته القصيرة جدا وهو (المقابلة) مما عاد بالنفع والفائدة على عناصر الإدهاش والمفارقة والقوة وتوضيح المعنى وتأكيده.
بالقصة تناص قرآني مع قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)
التوبة (29)
الْرِّيشَةُ الَّتِي طَالَمَا دَمَغَتْ جِزْيَتَهُمْ...
تحمل الإيحاء وترمز إلى عصر القوة والتمسك بالدين.
رَمَوْهَا فِي الْنَّهر...
إشارة إلى التفريط والضعف.
وهذا وإن دل على شئ فإنما يدل على تمكن الكاتب من أدواته ومعرفته الدقيقة بمقاييس وفن كتابة القصة القصيرة جدا.
وفي النهاية نأتي إلى القفلة :
لَمَّا اِزْرَقَّ الْفُرَاتُ بِحِبْرِهَا... اِحْمَرَّتْ خَرَائِطُنَا!.
كناية عن الغلبة للعدو والهزيمة من أنفسنا ولقد استخدم القاص الألوان هنا (الأزرق - الأحمر) كرموز لتلك الأوضاع.
﴿وتصنف بالقفلة السردية، المضمرة ﴾
وهي التي تترك للقاريء متسعا من التأويل والاستنتاج والتخيل وتعتمد على صور البلاغة الأدبية.
مثل
(المجاز- الكناية - الاستعارة- وغيرها)
وتعد القفلة من أهم عناصر كتابة القصة القصيرة جدا فهي النقلة المباغتة من أغوار النص المتحفز إلى خارجه الصادم المستفز.
لا تبرز من مضمون القصة الذي يفرض خاتمة بعينها ومن هنا فالقفلة الصادمة هي التي لا تنهي القصة القصيرة جدا بل تفتح النص أمام المتلقي فتثير دهشته وتجعله يشعر بالذهول والإعجاب والتحليل بالإبحار في عمق النص رجوعا لعنوانه،
لنجد أن:
(تلك الدول العربية، الإسلامية الغارقة في الدماء نتيجة تغلب العدو عليهم ليس لها سبيل في استعادة مجدها إلا بالرجوع للإسلام فبه القوة والعزة والنصر.)
ملاحظة هامة جدا :
القصة القصيرة جدا بين أيدينا كادت أن تفلت من بين أنامل كاتبها وأن تخرج من جنسها الأدبي إلى جنس آخر وهو (القصة الومضة)
وذلك لبدايتها باسم وهو (الريشة) واعتمادها على صيغة النفس الواحد بالسرد باستعمال جملتين والربط بينهما بعلامات الترقيم.
في النهاية قصة قصيرة جدا برسم الامتياز.
التقييم على سلم الدرجات (( ٨.٥ ÷ ١٠ ))
------------------------------
تحيتي وتقديري
------------------
القاص والناقد : صقر حبوب
