ما لـم يحـدث لسِيـــــنْ .. كَـــــــــافْ .
***********************
يدخـل البيـت الكبيـر المتواجـد بإحـدى ضواحـي مدينـة باريـس ، تتقدمـه الخادمـة إلـى غرفتـه دون أن تكــلمه أو ترحـب به ، تفتـح لـه البـاب وتغلقـه وراءه ،يضـع حقيبـة ظهـر صغيـرة بهـا كـل مـا يملكـه أرضـا ويبقـى واقفـا رغـم وعثـاء السفـر، رائحـة غريبـة تفـوح مـن هـذا المكـان ، خليطـ من المنظفـات باللافنــدر، والخـل الفاسـد وحـزن دفين لم يعرف مصدره ومأساة صامتة ، تغلغلت بيـن الحائـط والـورق ذي الرسومات الباهتـة الـذي يكسوه ، لم تختلـف لديه كثيـرا عـن رائحـة القـارب المتهــرئ الـذى هاجـر عليـه سـرا فـي دَأْمـاءٍ لا يرحـم وعــرق وصُنَـان المتكدسيـن فيـه ، وأَجَنّــة زنازين الحجـر الصحـي بمارسيليـا ، ودفــارة الخـوف والهـروب ،وعثانــة دور الاستقبــال، وطعـم وجبـات طغـت عليهـا تفسخـات أطبـاق بلاستيـك لعقتهـا أفــواه كثيـرة.. تدافعـت صـور كل تلـك الفظاعـات في خَلَده ، صعـد دمـه دفعـة واحـدة إلـى رأسـه وهبطـت حـرارة جسمـه ، الغرفـة ليسـت بهـا تدفئـة ، والفصـل شتـاء ، انـدس مـع قشعريرتــه فـي السريـر بكامـل ملابسـه، سحـب عليـه الأغطيـة وبقـي مستيقظـا..
علـى بعـد أربعـة أبـواب منـه غرفـة أخـرى ، يجـوب فيهـا الكهـل أرضيـة خشبيـة تئـن تحـت كـل خطـوة يخطـوها علـى إيقـاع يضبطـه بعكـازه الأبنــوس، يعيــد موضعـة أيقونــة مـن الخـزف الصينـي على كوميدينا مـن خشـب البلـوط المصقــول، يتشمـم رائحـة التبـغ مـن غليـون لـم يعـد يشعلـه ، يداعـب بتـلات ورود تضعهـا الخادمـة هنـاك كـل صبـاح وتنسـى إبعادهـا ليـلا فتزداد حدة رَبْوه ، يلكـز صـورة وجههـا إلـى الحائـط ، يزفـر أفكـارا تضاربـت فـي رأسـه الأشيـب، يتوجـه صـوب سريـر بقبـّة مـن الشّيفـون والتـّول عـرف أيامـا أفضـل، يستلقــي ويبقـى مستيقظـا..
كلاهمـا يفكـر فـي الآخـر ، وفـي نفسـه، فـي مـاض لـم يكـن أحدهمـا يعـرف فيـه الآخـر وفـي حاضـر جمعهمـا و مستقبـل لـم يتّضـح بعـد..
الكونـت سباستيان .ك .. يتأبـط ذراع الكونتيســة الشابـة، يـنزلان السلالـم ليستقبـلا ضيـوف أمسيتهمـا ، حفيـف حريـر ثوبهـا المصنـوع خصيصـا لهـا فـي أكبـر دور الأزيـاء يهمـس لـه، يدغــدغ رجولتـه وغـروره، يداعـب بذلتـه "التوكســادو" التـي تظهـرتناسـق جسـده وضمـور خاصرتـه، تعــدل بأناملهـا الرقيقـة ياقـة قميصـه ، تطبـع قبلـة صغيرة علـى أنفـه وتضحـك..و.. يُبقــي فكـره مُركـزا فـي هـذه اللحظـة العاجّــة بالجمـال والأناقـة والشبـاب ولا يتخطــاها..يتوقّـف بالزمـن فـي منتصـف السلـم ،تلــك رياضتـه الذهنيـة التـي تبقيـه متماسكـا ولا يتهـاوى ، يصلبهـا ما بيـن ضفتـي ما كـان ومـا لـم يعـد موجـودا ويجعلها تنتظــر أن يعــود إليهــا.. يتذكـر أنـه لـم يأخـذ أدويتـه، فجميـع الأمــراض تكالبـت علـى جسـم كـان يومـا محـط إعجـاب الجميــلات وغيـرة الوسمـاء، يضغـط علـى الــزر الأصفـر بجانـب السريـر، الأحمـر لـم يعـد مهمّـا مـذ صـار مـن يـرد عليـه مـن موقـع المتطوعيـن للخدمـة الاستعجاليـة فـي بيتـه، ولـن يــرن بعـده هــذا أيضـا تحت فـي جنـاح الخـدم ، ولـن يتخيـل أكثـر ممـا يسمـع وقـع أقــدام العامـلة الثقيـل علـى الدرج وصـوت نفــس الكيـر ، والطرقــات الخفيفـة علـى البـاب، وصريـره وهـو يفتـح، ولـن تضـع علـى المنضـدة صحنـا بـه حبــــوب منظّمـة حسـب ترتيـب متعـارف عليـه ، دَوْرق مـاء ، بعـض الفاكهـة وزبديـة حسـاء ، وسـوف لـن يراهـا تنسـحب فـي صمـت كأنهـا في حـداد ، سيصرفهـا مـع تعويـض محـترم.. فقــد آن الأوان ليرتـاح مـنها ، لـم يستلطـف أحدهمـا الآخـر أبـدا منـذ التحقـت بطابـور خـدم كـان يعـج بهـم هذا المنزل،أتبعهـا وهي تخرج بشتيمـة لم تُعرهـا أدنى أهميـة ، وطفـق يصنـّف العقاقيـر : الحمـراء للقلـب ، والصفـراء لمـرض الملـوك ، والبيضـاء لــداء الصعاليـك ، يبتلعهـا ويـمرّرها بجرعـة مـاء يمتعـض مـن مذاقهـا ..لكنـه يضحـك ،فـي تلـك الهنيهـة فقـط مـن كـل يوم ،تعـرف الضحكـة طريقهـا إلى وجهـه المتجهـم ، يضحـك علـى قلبـه وعظامـه وباسـوره ، يمـد يـده إلـى الحسـاء..
تضيـق الجـدران علـى سامـي كْريـكْ، يشعـر أنـه يختنـق، يفتـح النافـذة، فتتنــفس الحديقـة المهملـة فـي رئتـيه زهـورا لـم تقطـف وذبلـت علـى الغصـن، وأوراق شجـر لـم تكنـس فتعفنـت ، وزناخـة مـاء مسبـح لـم يصـرف، نهـارا ينسحـب ورائحـة قطــران وطـن تركـه ، يغلـق النافـذة ، يخـرج مـن جيـب جاكتـه صـورة لعائلـة تمـرح علـى رمـال شاطـىء طنجـة بخلفيـة البحـر الأسـود المتسلـط ،أمه أطول من أبيه ومن قِصره اكتسبا شهرتهم "كريك" أي القزم بالعامية المغربية ، يمـد يـده كمـن يرسـم ، يعيـد للبحـر بياضـه وتوسّطيـته ، يزدحـم قلبـه بعبـق الطحالـب وفَوْغة البوغاز الحبيب، تتكسـر موجـة تحـت قدميـه ، فيجهــش بالبكـــاء..
ينــام اللّيْـل ..وتبقـى روحاهمـا هائمـتان فـي فضـاء المنـزل القديـم مـع الصراصيـر والقـوارض والخفافيــش وعـث الخشـب.
يلتقـي حاضرهمـا صباحـا علـى طاولـة فطـور موضبـة بإتقـان ، هلاليـات وقهـوة سـادة ، بيـض مقلـي وعصيـر برتقـال ، لـم يكمـلاه حتـى بـادره الكهـل:
- مدبـرة البيـت تقاعـدت مـن عملهـا، أنـت مـن سيقـوم مقامهـا.. تطبـخ وتغسـل وتكـوي وتعتنـي بالحديقـة ، والأهـم بمطلباتـي الشخصيـة و..فهــم أن اللائحـة لـن تنتهـي هنـاك فلـم يجبـه سـوى بنَعَـم مقتضبـة ، أخـذ الأكـواب والصحـون وتوجـه إلـى المطبـخ فـي أخــر الـــرواق.
طقطقــة عصـا تتبعُــه..وصـوتٌ تمنـى لـو أن صاحبـه يسكـت، يختنق يصيبـه بَحـاح أو التهـاب مـا في حُلقومه البغيض..
- إيــه.. أنـت.. يـا عربـي اِسمـع ..لا تتوهـم للحظـة أن اسمـك وعينيـك الـزّرق وشقرتـك قـد خدعوني ، أنـا علـى معرفـة جيـدة بخلفيتـك وتعـدد اعتقالاتـك مـن طـرف الأمــن ، قبـل أن أطلبـك مـن المكلـف بالجمعيـة ، تبرعاتـي لهـا ، تسهـل علـي الأمــور....
يبـدأ فـي جلـي الصحـون وبحلقـه غُصـة ..كـل محاولاتـه للاندمـاج فـي هـذا العالــم الغريـب لـن تشفــع لـه ولا حتـى تشابـه الإسـم والهيئـة وإتقانـه اللغـة التـي عـول عليـهم، ستبقـى رائحـة إفريقيـا تفـوح مـن أعطانـه...يتابـع الكهـل فـي تهكـم سافـر مستفـزّ :
-إيـه ، يــا عربـي ..هـل كلكـم هكـذا تقومـون بكـل مـا يطلـب منكـم بـدون احتجـاج، ألا تعرفـون معنـى الرفـض..؟ صـدق الجنـرال لْيُـوطِي حيـن أسماكـُم...بَنِي.."وِي.. وِي".
فقاعـات غسـول الصحـون تغلـي وتفرقـع كغضبـه..انفلتت أعصاب طالما تحكم فيها ، فالإهانة أكبر من أن تحتمل رد في تحد :
- أجـل..نكون كذلك إذا اضطرتنـا الظروف ، لكننـي سأصلـح الأمـور حـالا.. أحكـم يـده علـى مقبـض سكينـة تقشير الفواكه ، استـدار في هـدوء مصطنع ووضعــها تحـت ذقـن الكهل الوقـح الذي لم يكن ينتظر ردة فعله ، ومن فزعه ، فتـح بالوعــة فمـه التّافرَة يستجـدي هـواءَ ، ازرقّ وجهـه ، اعـوج حنكـه وتكونـت بقعـة سائـل أصفر بيـن رجليـه ، و.. انهــارقلبه المريض ..
اِتصـل الشاب برقـم الطـوارىء ، وبكـل بــرود قـام بإجـراءات تعلمهـا ، تدرب عليها، وأقسـم أن يطبقهــا و تلزمـه بإغاثـة أي شخـص في حالـة حرجـة ..نفخة ..وخمــس ضغطـات علـى الصـدر..نفخة ..وخمــس ضغطــات على الصـدر، تمامـا فـوق عظمـة القـص..قبلة الحياة كما يدعوها المسعفون ، استمـر فــي أداء واجبـه نحـو إنسانيـة لـم تعـترف بـه كفـرد ، إلـى حيــن سماعـه صفـارة سيـارة الإسعـاف، تم نقـل المريض علـى وجـه السرعـة إلـى المشفــى ، وبقـي وحيــدا يتجـول فـي المنـزل الفـارغ.
لـم يستوعـب كيـف يقــع لـه كـل هـذا ، فجــل مـا يصبـو إليـه هـو عمـل يحفـظ لــه كرامتـه ، ويعيـن عائلتــه ببعـض مـردوده ، ولــمَ يكرهـه هـذا الرجـل لهــذه الدرجـة دون سابـق معرفـة بـه إلا مــن صـوت يعْبـر الأثيـر، ولـم اختـاره مـن بيـن عـدة أشخـاص ممـن تهافتـوا للعمـل لديـه ، وأصر.. ؟ فقد كان راضيا عن عمله هناك ولم يبتغ عنه بديلا .
تملكـه الفضـول حول شخصية الرجل فقصـد غرفتـه ، كـل شـيء بهـا مرصـوف حسـب الألـوان والأجحـام ، كتبـا وملابـس حتى الشرابـات والأحـذية بأسمـاء صانعيهـا ..وفـي مصلّـى محـدث فـي تقعيـرة بالحائـط ، حليّ نسائيـة ثمينـة فـي علـب أنيقـة مـن الساتـان الأحمـر رصـت علـى شكـل صليـب تتــألأ تحـت ضـوء شمـوع مضـاءة ..لا شـك أن هـذا الرجـل بـه لوثـة أو يعانـي مـن هـوس مـا ، لاحظ أن كـل شـيء ضبطـه عقلـه المخبـول،مـا عـدا الصــورة الـتي تواجـه الحائـط ، فقـد شكّلـت النّوتـة النّشـاز وزرعـت الفوضـى فـي هـذا النظـام المقصـود ، يقْلِبهــا ، فيلْتقـى وجهـه بآخـر يشبهـه كنقطـة مـاء ،تفاجأ ، تأمّل الصـورة جيـدا ..لـون العينيـن ، قَصـة الشعـر ، الخـد بالغمـازة.. كأنهما توأم .. وعلـى الشريـط الأسـود الـذي يغطي زاويـة منهـا، ألصِقت بطـاقـة باهتة لـم تحـظ بنفـس العنايـة ،كتـب عليهـا بالفرنسيـة :
ـــــــــــــــ"نعيــش طويـلا ثـم فجـأة ، نمـوت أبْكـر ممـا نبْتغـي.."ــــــــــــــــ
" أكرهـك اِبني سامـي ..ولـو عـدت للحيـاة ..لاستمتعـت بقتلـك مـرة ثانيـــــة".
**************
مهدية أماني الرغاي
