قصة قصيرة: " وراء وراء"
بقلم أ. منى أحمد البريكي/ تونس
أفقت صباحا على وقع أنغام أغنية الفنانة نعمة تصدح بين جنبات دار جارنا العم الهادي.
"الليلة عيد.. الليلة عيد..
فرحة فرحة والعمر جديد.."
اِنتابني استغراب وفضول لم يخرجني منهما غير صوت بسمة عبر الهاتف:
-"مروى أسرعي بالمجيء..سنقيم مأدبة هذا اليوم احتفاء بضيفة عزيزة.هيا أسرعي لمساعدتي لنستعد قبل وصولها."
صديقتي بسمة شابة جامعية في منتصف العقد تلثالث من العمر.إنها طويلة القامة، رقيقة الملامح،قد استعارت عيناها خضرة البساتين المترامية من حولنا.
في وجهها إشراق شمس فجر نديّ،وتجللها هالة من الحزن لتبدو كوردة تكتم عطرها، كما يصفها أخي سامي الذي يكبرنا بعامين.
.لم يكن يفصل بيننا غير شهرين .
كانت رفيقة صبايا فتاة خجولة وهادئة،تلتحف بصمت والدها الشيخ الذي كنت لا أراه إلا جالسا على كرسيه المتحرك، وعيناه زائغتان، وهو لا يكاد يشعر بمن حوله..
كبرنا معا وتدرجّنا في مختلف مراحل تعليمنا،ولم أجد تفسيرا لأسباب الحزن والعتمة التي كانت تسربل كل ركن بمنزلهم الرّازح تحت وطأة تجهّم أختها الكبرى،والحزن الطافح من قسمات والدتها المتشحة بالسواد دوما؛ وهي تلوذ بأعمال فلاحية مضنية لا تنقطع عنها إلا حين يشتد عليها المرض رغم ثراء أسرتها الذي لا يخفى عن العيان.
ولم تتخلص بسمة من تحفظها إلا منذ شهرين تقريبا, فقد اندلعت الثورة ونحن قاب قوسين من نيل شهادة الماجستير في القانون العام..
خرج جموع الشبان إلى الشوارع وغصت بهم الساحات وهم يرددون:
"شغل،حرية. كرامة وطنية!...يسقط النظام!..."
وعلى غير عادتها خرجت معنا "بسمتي" كما يحلو لي أن أناديها وشاركت بحماس وقوة في توثيق المواجهات مع عناصر الأمن وإرسالها إلى القنوات التلفزية ومواقع النت.
ولأول مرة مذ عرفتها في المدرسة ونحن تلميذتان بالسنة الأولى آنذاك..أراها ترقص مهللة لهروب بن علي وهي تصرخ:
"حمدا لك يا رب،انزاحت الغمة أخيرا!... سيفرح أبي!..
لن نسكت بعد اليوم!"
بعد ساعات من الصمت المطبق بيننا ونحن نساعد العمة صالحة والأخت بثينة في إعداد ما لذ وطاب من المأكولات وتوضيب قاعة الجلوس التي لم تفتح منذ سنوات.
دخلنا غرفة بسمة لتغيير ثيابنا والاستعداد لمقابلة الضيفة التي كانت على وشك الوصول.
هتفت صديقتي وهي تحضنني:
"لا تلوميني يا أخيتي على سكوت فرضته علي ظروف لم يكن لي فيها يد! لقد اعتنقت الصمت سنينا وأنا أنشأ في بيت تخاله قبرا لشدة برود ساكنيه، ولم تتبدد وحشته إلا البارحة حين أعلمتني طليقة أخي خالد بأنها ستزورنا اليوم."
-"أخوك؟ واسمه خالد! لا تقولي لي أن هذه الصورة التي لازمت مكتبك دوما له؟ لقد كنت ألاحظ دموعك التي حاولت مرارا مداراتها؛وأنت تشيحين بوجهك عني كي لا أراها.
كان خيالي الجامح يصور لي أنك عاشقة، وأبقى على أمل أن تصارحيني يوما بقصة حبك."
-"نعم هذا أخي خالد.لقد كان أستاذا جامعيا يافعا، لم يمض على زواجه من زميلته التي تعرف عليها بالعاصمة آنذاك غير شهر واحد.
اِعتقلته السلط الأمنية في أول تسعينيات القرن الماضي لأنه كان من أبرز منتقدي النظام السابق والمحتجين على اعتلاء بن علي سدة الحكم دون مؤهلات و بماض دموي مخجل."
انعقد لساني ولم أحر جوابا لهول الصدمة.
اجتمعنا في الصالة ونحن على أحر من الجمر منتظرين الضيفة ..وماهي إلا دقائق حتى دخلت سيدة أربعينية أنيقة برفقة مراهق طويل القامة،أشنب الأسنان، أفلج وعلى وجهه ابتسامة، تزيده وسامة.
ما إن رآه الرجل العجوز حتى صاح بصوت متهدج خالطته الدموع:
-"خالد لم يمت .هذا ابني يعود إلي. من كان إذن ليلتها مسجى بذلك الصندوق الخشبي الذي جاء به رجال الحرس، ودفنوه تحت جنح الظلام دون جنازة؟ "
