قراءة في العنوان
"إيّاك أن تعبر إلى الضفّة الأخرى"
في الحقيقة عنوان لافت من عدة نواحٍ:
لغويّا: إيّاك... عمل لغوي يقوم على التّحذير. أمّا المحذّر منه فهو" أن تعبر إلى الضّفّة الأخرى".
معنويّا: الضّفّة الأخرى، هذا يعنى منطقيّا أنّ هناك حاجزا مائيّا ( نهر/ بحر) يفصل بين ضفّتين. و لقد استقرّ في الذّهنيّة(عندنا) أنّ لكلّ ضفّة رمزا و دلالة. فالضّفّة الجنوبيّة عنوان للفقر و التّهميش و الجهل و التّخلّف... إلخ، و أمّا الضّفّة الشّماليّة فعنوان للغنى و التحضّر و التّقدّم... هي الآخر المنشود الذي يحلم به كل شاب طموح.
ولكلّ ذلك نرى الكثير من الحالمين الذين يعبرون علنيّة في هجرة شرعيّة إلى الضّفّة الأخرى، و هم عادة من كوادر المجتمع الذين ضاقوا ذرعا بوضعيتهم البائسة، و الذين تتلقّفهم الأفواه الغربيّة بشراهة لحاجتها الأكيدة إليهم ( هجرة الأدمغة)، أو هم من الذين يركبون البحر سرّا ( الهجرة السرّيّة)، و ما أكثرهم! ألسنا نسمع كلّ يوم بابتلاع البحر لهؤلاء المغامرين الذي يحاولون الوصول إلى الجنّة الموعودة، و هم عادة من الفئات المجتعيّة المهمّشة و المفقّرة...
النصّ يتوفّر على الكثير من الإشارات الموحية و الموجّهة و التي توفّر أرضيّة لفهم أعمق للقصّة من قبيل: ...ببلدتي التي تقع أقصى الجنوب من النّهر.../ هنا عرف الحاكم بالشّدّة و الحزم.../ نتمتّع نحن بالحصانة ... لكوننا أفراد أسرته/ فهو و كل أهل البلدة يعلمون من أنا.../ تذكرت أوامر سيدي... و غيرها من القرائن.
والقصة جاءت، في مساحة كبرى منها، على لسان الحيوان، و هو ما يقرّبها من جنس الحكاية المثليّة التي تجري أحداثها على لسان الحيوان و المقصود هو الإنسان طبعا. يقول الأستاذ الكبير توفيق بكار عن الحكاية المثليّة:" هي قصة استعارية، دالّها الحيوان، و مدلولها الإنسان، جُعل فيها الحيوان دليلا على الإنسان و بديلا عنه".
ولكن هنا القصّة تختلف في نواح أخرى عديدة. هي مزيج بين الواقع و " الفنتازيا". جعلت الشخصيّة الرّئيسيّة تنتمي إلى جنس الحيوان ( كلب)، أما بقية الشّخصيّات فهي مزيج بين الحيوان ( شهباء) و الإنسان( المارّة/ البائع/ الحاكم...).
الضّفّة الأخرى رمز الخلاص و الانعتاق بقيت بعيدة المنال لرِقابة ذاتية تُحكم سيطرتها على الشّخصيّة الرّئيسيّة (الكلب)، تقول في مقطع من النّصّ:"فحدّثتني نفسي بتوجّس و خيفة: هل أتتك تحذبرات الحاكم). و في مقطع آخر :"حينها تذكّرت أوامر سيّدي الحاكم..."
النّصّ يختم بتحديد مصير "الكلب" الذي عصى أمر سيّده و إن بدون نيّة أو قصد قصد( استيقظت بمكان ضيّق كالقبر) إشارة إلى النّهاية المحتومة لكلّ مخالف حتّى و إن كان من أقرب المقرّبين.
و انتهت القصّة أيضا بحالة التمزّق هذه التي سيطرت على الشّخصيّة الرّئيسيّة: إغراء شهباء بالبقاء(مكانك هنا بين أقرانك)، و طنين تحذير الحاكم( إيّاك أن تعبر إلى الضّفّة الأخرى...)
قصّة مميزة بأسلوب مختلف تضع الإصبع على كثير من الشّواغل الاجتماعيّة و النّفسيّة و غيرها....
كل الاحترام للمبدع أ. صقر حبوب
/ الطيب جامعي /
***************
قصة قصيرة :
***********
إيَّاكَ أنْ تعْبُرَ إلى الضَّفَّة الأخرى
في هذا الوقت من العام السماء صافية، والشمس تبعث نُورًا وَدِفْئًا على تلك الوجوه الطيبة ببلدتي التي تقع أقصى الجنوب من النهر.
هنا عُرِفَ الْحَاكِمُ بالشِّدَّةِ والحزم ولكنه أيضا كان ودودًا، رحيم القلب. لذا نتمتع نحن بالحصانة والمعاملة الحسنة كوننا أفراد أسرته، أنا وزَوْجُهُ الطيبة، وابنته ذات السادسة عشر من عمرها.
خرجتُ في الصباح الباكر لأتجول في السوق، ألهو في مرحٍ من حانوتٍ إلى حانوت، وأقفز بين أقدام المارة، لأشاهد تلك الأحذية البراقة والتنانير القصيرة المزركشة وذلك الصبي برفقة والديه وهو يعادلني في القامة، وكذلك تلك الطاولات للباعة وهم يعرضون عليها بضائعهم فأقتنص سَمَكَةً من هذا أو رغيفَ خُبزٍ من ذاك، أو شَرِيحَةً من اللحم النيئ الطازج.
هنا الكل يداعبني ويتودد لي، حتى ذلك البائع الذي أشتم رائحة الحقد الكامن به ويرمقني بنظْرةٍ حادةٍ، لكنه يتركني مكرهاً لأبرد جسدي بالثلج رغم اِمتِعاضه من تصرفي ذاك، فأنا أرى ما يبطنه ولا أنخدع بطلاوة حديثه معي!
على بعد أمتارٍ قليلةٍ يقع بصري على شهباءٍ، مبرقشة اللون تقترب من بائع السمك، فينهرها بصوته ويهش عليها بعصاه الغليظة للابتعاد، ولكني أكشر له عن أنيابي وأزمجر في غضبٍ مُهَدِّداً :
- إيَّاكَ أن تسول لك نفسك ضربها.
حينها يجلس دون أن ينبس ببنت شفةٍ فهو وكل أهل البلدة يعلمون من أنا...
بثقة يغلفها الكثير من الغرور أتقدم من الطاولة وأحصل على سمكتين هذه المرة وليست واحدة كما العادة وأتوجه بها إلى الشهباء المكتنزة لأقدم لها وَجْبَةً شَهِيَّةً طازجة، ولكن تلك النظرة الحانية التي رمقتني بها بعثتْ قشعريرةً في بدني لم أشعر بها من قبل فوجدتني أسير خلفها بصَمْتٍ مسلوب الإرادة، كلما هَزَّتْ خاصرتها؛ مال قلبي طَرَباً.
ذَهَبَتْ بَعِيدًا وأنا خلفها هناك خارج البلدة إلى ضفة النهر، بين المروج مضى الوَقْتُ سَرِيعاً ونحن نَتَحَدَّثُ
بكل شيء ونرقب النجوم ونتعارف عَنْ كَثَبٍ، ولكن يا ويلتي لقد نكَأَتْ
جُرْحاً قَدِيماً وأبت تلك السويعات إلا أن تمضي بغصةٍ بعد أن صفعتني بتلك الكلمات التي قالتها :
- مكانك هنا بين أقرانك.
فوجدتني بعد أن أرخيت أُذُنَايَ وسحبتهما إلى الخلف متلعثماً أقول :
- ولكننني وعيتُ على أولائك البشششر ونَشَأْتُ بينهم ولم أجد منهم إلا خيرا.
بثقة شديدة وبعد أن شعرتْ بتوتري تحدثتْ :
- إذاً عليك بالعودة فقد تأخر الوقت.
حينها تذكرتُ أوامر سيدي الحاكم بعدم البقاء خارج المنزل إلى ما بعد الغروب وبعد أن وَدّعْتهَا على أمل اللقاء كان علي الرجوع إلى البلدة
وسط الظلام الدامس وبطريق عودتي اشتممتُ رَائِحَةً للغدر، فحدثتني نفسي بتوجسٍ وخيفةٍ :
- هل أتتك تحذيرات الحاكم؟
- تلك هي المرة الأولى التي لم تطع فيها أوامره!
وعَلَى حِينِ غِرَّةٍ وجدتني عالقاً أسفل شبكةٍ كبيرةٍ، ومجموعة من الرجال تحاصرني، يخرج من بينهم بَائِعُ السمك حَامِلًا هراوته الغليظة وقبل أن يهيلها على أمِّ رأسي سمعته يقول :
- الآن حانَ مَوْعِدُ الخلاص، سأتقاضى
ثَمَنًا باهِظاً من بيعك!
لا أعرف كم مضى عَلَيَّ من الوقت وأنا في تلك الغيبوبة، اِستَيقَظتُ
بِمَكَانٍ ضَيِّقٍ كالقبر، يحوطني الظَّلاَمُ
من كل جانبٍ، بَرْدٌ شَدِيدٌ ينخر عظامي، يتردد بأذني صوت الشهباء :
-مكانك هنا بين أقرانك.
وتحذيرات سيدي الحاكم :
- إيَّاكَ أنْ تعْبُرَ إلى الضَّفَّة الأخرى من النهر حيث يرقد أَسْلافُك!
وآخر ما سمعته قبل أن أغمض عيني تلك الجملة من ذلك اللَّحَّامِ البغيض :
- كم كيلو جرامٍ من اللحم يضاهي كلب الحاكم؟
**************
صقر حبوب & فلسطين
