من وحي منشور الأستاذة اﻷميرة ياقوت:
كانت هذه القصة القصيرة:
مناكيرُ أمِّ قَشْعَمْ
************
نَسِيَتْ مخالبها الحادةَ، ومنقارَها المرهفَ، وهي تنظر إليه، بعينَيْ حمامةٍ بيضاءَ، دنتْ منه تسوِّي بعضَ ما عَبَثَتْ به الريحُ من ريشِهِ.
- مَنْ مِنْ سباع البر والبحر والسماء، أجْرَأً من عصفورِكِ الآنَ يا أمَّ قشعمْ!؟...
ثم أغمضَ عينيه، كما يستمتعُ العصفورُ بدفءِ الربيع...
- أتدرينَ يا أمَّ قَشْعمْ، وأنت بجانبي، أشعر بأنّ بصري أثْقَبُ من مِخْرزٍ، ومخالبي كالمُخْلِ، وأنَّ منقاري المعقوفَ أمْضَى من خنجرّ يمانيّ!؟...
أترين يا أمَّ قشعم تلك الذُّرى تحتَنا؟، كأسنَّةِ الرماحِ، وذلك الفيروزَ المائجَ الممتدَّ، معانقًا أمَدَ اللازورد، وهذه الريحُ التي لا يفهمُ لغتَها إلّا الأجنحةُ المُشْرَعةُ...
أغمضتْ أمُّ قَشْعَم عينيها انتشاءً، بما تسمعُ، تُحَدِّثُ نفسَها، مالذي ينقصُ أبا قشعم، ويقعِدُهُ عن منافسة شعراء الكون كلهِم!؟.
- اعلمي يا أمَّ القشاعم، أنّ هذه البدائعَ هديتي لكِ...
انظري إلى تلك القريةِ المتوسدةِ أقدامَ الجبلِ تحتَنا...
أرأيتِ أستاذَ الفصاحةِ في مزارعِها؟!، ذلك الفاجرِ الآبرِ، الذي لا تمنعُهُ الأسيِجَةُ، ولا تُحْجِي عنهُ الحُجُبُ، (كازانوفا) القريةِ، الذي لم تسْلَمْ دجاجةٌ فيها، مِنْ غُلْمَتِهِ وشبقِهِ، انظري إليهِ إنّهُ يجتازُ السياجَ ساعيًا للقاءِ دجاجةٍ سوداءَ، هناكَ على مقْربةٍ، من تنُّورِ الخالةِ أمِّ سعيدٍ، هل رأيتِهِ يا أمَّ قشعم!؟...
ضَحِكَتْ عندما رأتْ رأسَ ديكِ أمِّ حسنٍ، حيثُ أشارَ الجارحُ، وهو يسير للقاءِ عشيقتِهِ السوادءَ متخفيًا، قالت:
- نعم رأيتُ عُرْفَهُ الأحمرَ القرمزيَّ، ظاهرًا على يمينِ التَّنُّور.
عَجِبْتُ لَكَ أيُّهَا الحُبُّ، أيَّةُ قوُةٍ فيكَ، وأيُّ سلطانٍ لكَ، يجعلُ الجارحَ شاعرًا، و يصنعُ من قلبِ الديكِ جبلًا، لا يبالي بخطرٍ يتَرَبَّصُهُ!؟..
- قَسمًا بشرفي وشرفِ القشاعمِ كلِّها لأجعلَنَّ قرمزَهُ ذاكَ حمرَةً لمنقارِكِ، و(مناكيرَ) لمخالبِكِ الليلةَ، قبلَ غروبِ الشمسِ يا أمَّ قَشْعَم.
تشابكتْ مخالبُهما، وانفرجَ صدراهما، وأفردَا أجنحتَهما لأبعدِ مدىً، واستسلما للريحِ والجاذبيةِ، يدورانِ في هذا الفضاءِ الأزرقِ، ليحطَّا على قُلَّةِ الجبلِ، على مهلٍ، حيث بُوِّئَ لهما مكانُ عشهِما السعيد.
_____________
خالد الخيف
الشام - ٢٠٢٠/٤/٨
