زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة نقدية في ثلاثية "بائع الصرخات" للناقد والكاتب حمد حجي / بقلم: أ. منى أحمد البريكي






تأثيث المحكي وسينوغرافيا التخييل

ا==================


شكرا للاستاذة منى أحمد البريكي..
على هذه القراءة الباذخة لثلاثيتي..
شكرا على الاهتمام .. 
دام نبض النقد  وصرحه عاليا..
راق لي ما أشار اليه "تاديون كاوزن" حين تكون النص من شيفرات..
"وجود شفرات "يتقلص العالم الدرامي فيها:
 وهي الكلمة،
النغمة،
تعابير الوجه،
الإيماءة ،
الماكياج ،
تسريح الشعر،
الملابس،
الديكور،
الإضاءة، 
الموسيقى 
والصوت."
ا=============== بورك الحرف"

 الدكتور حمد حجي


قراءة نقدية في ثلاثية "بائع الصرخات"

للناقد والكاتب حمد حجي

بقلم منى أحمد البريكي 

تصدير 

"رفقا بالقوارير! ما أكرمهن إلا كريم،وما أهانهن إلا  لئيم."

مقدمة

انبنت هذه القصص القصيرة جدا الثلاث على وحدة الخطاب .فقد صورها الكاتب في ثلاثة مشاهد منفصلة  شكلا، لكنها متصلة المضامين،  وجعل لها عنوانا وسمه ب "بائع الصرخات "
وقبل ولوج العنوان كوصيد أول لهذه القصيصات أو كنص مواز لها ؛ ارتأيت أن أمعن النظر في هذه اللوحات الثلاث كل على حدة.

☆ فانتاستيكا

يدخل هذا النصيص في إطار السردية التعبيرية الشعرية بما فيها من تشاكل بين الشعر والسرد.فالسرد هنا أفقي، رمزي، فيه إيحاء بلغة وصور شعرية تنبثق عنه،وتتجاور مع جمل متواصلة، مبنية نثرا بتراكيب سردية تختلف عن الشعر دون أن تبتعد عنه،تنأى عن الحكائية في رمزية تتلحف بغلالة النثر الإيحائي في صور شعرية تسلط الضوء على الحدث لحظة وقوعه ليكون وقعها أشد.
(تحصد رقابا مهمشة
تلوك قصص المستضعفين 
وتدهس حكاياتهم
تدور ألواحها،تدور
..تظل للأبد 
..مع الرياح 
..تدوووو
...ووووووور)
في انسجام واضح بين الأفعال المضارعة :تلوك؛تدهس،تدور ،تظل، وكلها تدل الامتداد في الزمن وبطلتها ناعورة الرياح العجيبة التي اقتناها ولي الأمر خصيصا ليسيطر على رقاب المستضعفين والمهمشين، 
فيجعلهم كالعجل المربوط إلى الساقية يدور دون وعي بالعمل المنوط بعهدته.
لذلك كانت ذات بعد فانتاسمي  كنائي وما هذه الناعورة إلا نسق حياة ومنهج فرضه المخطط  الذي أعلن إفلاسه عنوة ليحكم قبضته على مصير الرعاع الذين لا يعتبرهم شركاء في الوطن بقدر ماهم آلة إنتاج خرساء ليس لها سوى أن تتوحد في صوت واحد كعقارب الساعة المضبوطة بإحكام.
وبذلك تصبح اللوحة الاولى تمهيدا للثانية والثالثة.وتقودنا إلى 

☆_القصة المشهد:

إذا كان المشهد فنيا هو "التقنية التي يقوم فيها اختيار المواقف المهمة من الأحداث ..وعرضها عرضا مسرحيا مركزا تفصيليا."*1*
التي تجعل القارئ يشعر بأنه مشارك في الحدث حين "يسمع عنه معاصرا وقوعه،كما يقع بالضبط وفي نفس لحظة وقوعه،لا يفصل بين الفعل وسماعه،سوى البرهة التي يستغرقها صوت المتكلم في قوله،لذلك يستخدم المشهد للحظات المشحونة."*2*
فإن الكاتب قد صوره لنا في مختلف أبعاده الركحية لنرى بالعين المجردة كيف يصبح فعلا طبيعيا حميميا بين زوج وزوجته حادثة اغتصاب توافرت كل أركانها من إضمار وتخطيط واستعمال وسائل معينة في إخراج سينوغرافي بارع.إذا سلمنا بأن "السينوغرافيا عملية تشكيل بصري /صوتي لساحة الأداء التي يشارك المتلقي في تشكيلها بوجوده وخياله،فهي عملية إرسال مركبة تقابلها وتكملها عملية قراءة مركبة يقوم بها المتلقي."*3*
كما "ترتكز على تأثيث الفضاء سيميائيا وأيقونيا."*4*فالصورة السينوغرافية  هنا خطاب بصري ذو علامات دالة يحللها المتلقي لمعاضدة فهم الخطاب في كليته من خلالها كجزء هام في العرض المسرحي وفي هذا السياق أشار "تاديون كاوزن"إلى وجود شفرات "يقلص العالم الدرامي فيها وهي الكلمة،النغمة،تعابير الوجه،الإيماءة ،الماكياج ،تسريح الشعر،الملابس،الديكور،الإضاءة، الموسيقى والصوت."

وبذلك تتغير دلالة  الأكسسوارات المستعملة   في الديكور ( المناديل الورقية /الوشاح /الورق )لأن السينوغرافيا تراهن على "ترويج ثقافة بصرية لا كلامية
...إنها تريد أن تجعل العرض مسكونا بالعديد من الإيحاءات التي تخترق فضاء الركح وجغرافيته."*5*
فقد استعملها الكاتب كعلامات بصرية استعان بها لإيصال الخطاب إلى القارئ /المتفرج وشحنها بحمولة دلالية سميأت
المناديل الورقية التي تستعمل عادة للمخاط في وضعية مغايرة لسد فم الضحية ومنعها من الصراخ فأصبحت أداة من ادوات الجريمة .والوشاح الذي تغطي به المرأة رأسها أو رقبتها أصبح قيدا للسيطرة على جسدها وتعنيفها جنسيا ( حينما كان يسحل بالكامل أنوثتها… )أما الورق فقد استحال وثيقة وقعت عليها طلاقها (كانت قد أنهت بصمتها على الورق.. )
وفي تزامن الفعلين بين الفاعل والمفعول به، دلالة على تصميم المرأة التي كانت قبل الجريمة  مستسلمة له تماما كالقمل الذي استباح شعرها وامتص دماءها (تفلي القمل بناظريها )دليل على ثورتها وعدم انصياعها وتصميمها التخلص من الهوان والاستيلاب فهو وإن نجح في تقييد جسدها فيزيولوجيا فلم يستطع كبح جماح روحها وعقلها ورغبتها في التحرر منه بالطلاق 
وكانت القفلة الساخرة  منسجمة مع العنوان (حكاية تعنيف بسيطة )
يشير إليها في كوميديا سوداء ليقول إن أبغض الحلال أفضل حل وأن العنف لا يمكن أن يكون بسيطا مهما كانت درجته أو مأتاه
ثم ينتقل بنا إلى مشهد ثالث 
عنوانه

☆ "ثلاث صيحات"

ليختم به فصول الثلاثية المسرحية التي كان فيها الفصل  الأول مشهدية  وضعت المتلقي في فضاء عام موبوء 
قادنا للمشهد الثاني إلى العنف الجنسي   واستيلاب المراة في علاقة زوجية غير متكافئة ليأخذنا المشهد الثالث كخاتمة للطرح الأول والثاني مفادها أن هذا الرجل الذي تحكمت فيه أهواء نظام مستبد قد غيب تماما واستعاظ على واقعه بالعالم الافتراضي ليصبح بدوره ضحية  للذة مزيفة يمارسها بأنامله من وراء شاشة جامدة.
ويترك المسؤولية لزوجة تعاني عنفا اجتماعيا فتحترق يداها من أجل لقمة العيش ويكون الطفل ضحية إهمال وتنصل الأب من مسؤولياته 
وما الصرخات الثلاث إلا تقنية من تقنيات الكتابة الصوتية لأن "الكتاية بصوت مرتفع بالنسبة إلى أصوات اللغة،ليست علما لوظائف الأصوات ولكنها علم للأصوات وإن هدفها لا يكمن في وضوح الرسالة،أو في مسرح الانفعالات،إذ  أن ما تبحث عنه من خلال منظور  للمتعة هي الحوادث الدافعة واللغة التي يغطيها الجلد،وهي النص حيث نستطيع أن نسمع رنة الحنجرة،وتزلج الحروف الصامتة ولذة الحروف المتحركة."*6*
"لتجعل الأنفاس،الحصى،لباب الشفاه،وحضور الخطم الإنساني كله مسموعا في ماديته،وفي حسيته...وذلك لكي تنجح في حمل المعنى بعيدا جدا."*7*

وهذا ما نجح القاص في إيصاله إلى قارئه باقتدار فتكون ثلاثيته "بائع الصرخات"
دراماتولوجيا سردية بامتياز ك"فضاء من خيال،للغة حياة في حياة لغة،لا لشيء إلا لأنها مشغلة أدبية ذات مرجعيات ذاتية في فن سردية الحياة."كما يفسرها الناقد القدير مصطفى بالعوام.
فهذه اللوحات الثلاث وإن جاء فيها الطرح في قالب تقريري إلا أنه لم يخل من الرمزية الدالة على خطاب يستنبطه المتلقي كل حسب أدواته في الفهم والتأويل.وهذا يوصلنا إلى إشكالية العنوان الذي اختاره القاص ملخصا للق.ق.ج الثلاث.تغري القارئ بالغوص في القراءة لفك الارتباط بين البائع وهذه الصرخات بما هي انفعالات   تصدر لا إراديا من الكائن الحي[الإنسان أو الحيوان ] عند الشعور بالألم أو بالفرح أو للتعبير عن التلذذ بمتعة؛  أضافها لفاعل لا يمكن أن نجده إلا في الأسواق والمتاجر ليشحنها بدلالات إيحائية قدم لنا في المتن كلمات مفاتيح تفسرها  فالبائع ليس إلا ولي الأمر المفلس الذي لجأ إلى تسويق خطاب شمولي مخادع  لفرض سياسة القطيع التي تضمن له استتباب الأمن والتحكم في مصير العباد.

وأختم بالقول بأن هذه القراءة  محاولة لا غير في خوض غمار ظاهرة نصية "تظل أغنى من عشرات التفسيرات،وتظل متعددة المعاني ،لا تمنح نفسها لتأويل واحد يمكن اختزاله بقانون رياضي ناجز."*8*

الهوامش

1_ آمنة  يوسف: تقنيات السرد، ص 89
2_ سيزا أحمد قاسم :بناء الرواية، ص65
3_ عبدالرحمان الدسوقي :الوسائط الحديثة في سينوغرافيا المسرح .ص 17
4_ عبد الرحمان بن زيدان :التجريب في النقد والدراما ،الرباط المغرب منشورات الزمن 2001 ص 104
5_ نفس المصدر السابق .ص 101
6_ رولان بارث: لذة النص، ص112//113
7_ المصدر السابق ص113
8_ خلدون الشمعة :النقد والحرية ،اتحاد كتاب العرب،دمشق ط1، 1989 ص 24


بقلم منى أحمد البريكي/ تونس 

ثلاث قصص قصيرة جدا


ا========== بائع الصرخات ==========
1 - فانتاستيكا..
ا=========


لمّا لم يجد وليّ الأمر ما يبيع للناس اقتنى ناعورة رياح عجيبة..
تحصد  رقابا مهمشةً..   
تلوك  قصص المستضعفين..  
وتدهس حكاياتهم..
تدور ألواحها، تدور ..
تظل للأبد..
مع الرياح..
 تدوووو...
وووووووور.. 
لحسن الحظ، بالعدل، لا توزع  للخلائق سوى الصرخات..
- ( تك تاك، تك تاك، تك.. تاك..)


ا=============

2 -  حكاية تعنيف بسيطة

ا=============


الزوج ساعة خاتلها و كانت تفلي القمل بناظريها..
أمسك سبلة شعرها، كانت على وشك الصراخ..
ضرب بقبضته عنقها..
وكي يسكتَها؛ وضع راحة كفه على أنفها، مدَّ يده الى علبة المناديل الورقية ودسَّ بفيها قبضة..
 مزَّق الوشاح من رقبتها وربط به ذراعيها ..دفع رأسها إلى أعلى، حتى خارت قواها..
وحينما كان يسحل بالكامل أنوثتها مع جثث القمل الميتة كانت قد أنهت بصمتها على الورق..
- طلاق.. طق طق.. طق طق..
صرخة يبغضها الرب..


ا============

3 - ثلاث صيحات

ا============


هي تسارع تمسح جوانب الفرن بقطعة ثياب مهترئة مبللة بالماء..وتزج بالرغيف للفرن.. توشك تحرق كل أصابعها بالداخل.. تلمظ أناملها صائحة:
-(  واح واح ببب اح.. أح.. ابببب..)
وترفع رأسها تتأمل الرضيعة التي أجلسَتها فى حجر مصنوع من جريد النخل والسعف وحوّطتها بوسادات صغيرة محشوة بالقش..
تركتها تتقلب بين الأحساك ، تنغرس فى رقبتها الأشواك، ما إن تلامس جنبها الوخزات حتى تنقلب على الجانب الآخر .. وتصرخ:
- ( واك .. واك.. اك..)
وفيما الصهد اللافح لفرن رقاق الخبز يلهب وجنتيها، يُنبِتُ عرقا سائلا من تحت عصابتها المشبحة بهبئات الدقيق والدخان..
كان زوجها  ينقر.. ينقر..
يعالج بهاتفه الجوال رسالة نارية  لعشيقته:
(- احححح ااح حح..  ببببب ااااا ككككك


عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية