أطبقت الغيرة عليها بفكيها ووخزتها أشواك الكره،جل الأسباب التي اختلقتها لتذكية نيران المشكلات لم تؤت أكلها مع صديقة لها في العشرينات من عمرها-كانت طاهرة الإزار،تداري زينتها وحافظة لفرجها..مفوّهة إذا تكلمتْ وناصحة لما تُسأل-
حملت لواء هاروت وماروت وأزَّتها الشياطين من كل جانب،الوجهة نحو ساحر
شيخ حرثت السنوات ملامحه وعشش في عينيه القذى،أشعث الشعر وأعرج المشية..في صوته حشرجة كلما تكلم
دلفت باب بيته بعد سير لساعة،أعواد يابسة مترامية في البهو وروائح منبعثة من غرفته،قرون ماشية مرصوفة..مشاهد تحسب أنها مستنسخة من أفلام للكفرة
خطت نحوه فأومأ لها بالجلوس،هبت رياح جنونها وراحت تقلب الكلام كأنها ضحية..دقائق من السرد للوقائع وختامها طلب واضح
أسفرت ضحكته عن أسنان متباعدة بعد المشرق عن المغرب،عدل جلسته وراح يقلب في كتاب غلبت صفرته بياض صفحاته..
على جزء من جلد متيبّسِِ،ينقع الريشة في الدواة ويرسم خطوطََا متعاكسة وإشارات مبهمة،ينفث مرة ومرات يكثر من التمتمات..دخان الكانون متصاعد ورنات أعواد نحاسية تتزايد
دامت الجلسة نصف ساعة،خرجت محملة بسلاح كاذب والوجهة للمقبرة بعد أن يسدل الليل ستاره..
السويعات تتناقص وما زال فمها يلوك علكة الضرر،حي على الفلاح من مكبر صوت لمسجد حيها كانت إشارة انطلاقتها
سرت نحو المقبرة وخلف ضلوعها حشد عظيم من الشياطين،السياج يظهر وتتقارب أعمدته في عينيها-لقد شارفت على الوصول-
ذاك المكان ينبيك عن حال الدنيا الزائلة ويسقط منك في كل خطوة ملذة من ملذاتها
بدأت تحاذر في مشيتها بين القبور مخافة ألا تدوس على قبر،شدت إزارها ورست في آخر ركن..
نبشت في الأرض كدّابة ثم أودعت فعلتها ووارت عليها التراب..
استدارة أولى،رجل ذو طلعة بهية واقف خلفها؛تسمرت وابتلعت ريقها وارتعدت فرائصها..
إن الله إذا هيأ الأسباب لن تطالها أيادي البشر،كان عطل سيارة الرجل سببََا في توقفه بمحاذاة المقبرة ورؤيته لتلك المرأة وحيدة دون محرم وفي مكان يكاد يحرم دخولهن إليه
أنار كاشف هاتفه وظل يرقب منها إجابة..دمعة تلو دمعة ومحيّا مخضب بالحسرة والأسى
اتصال واحد جمع فيه أصحابه وإمام حيهم،تكاد القلوب تتفطّر وتخرّ النفوس من رجة الحادثة..
تقدم صاحب الحكمة ضاربا كفا بكف ومطيلََا رقبته إلى السماء:الشر يلوّح في الأفق
-ماذا دهاك يا صاحبة الشهادتين؟
كثر نحيبها ونزعت خمارها وظلت تلطم رأسها حتى كادت تسل شعرها مرددة:لم يكفر سليمان،لم يكفر سليمان
أبطل ما تم دفنه ثم أسرَّ لها بعض القول وصدح بعدها قائلا:ما بالك يوم غد إذا سمعتِ لها شهيقََا وهي تفور
مشت مكِبَّة على وجهها وأصبحت غريبة في جسدها،تفتش في مرآة الأيام عن محياها وابتسامة كانت تعلوها من ذي قبل..حزينة،حائرة حتى تمنّت لو ألقيتْ في وادِِ سحيق.
#مالك بن الريب.
