زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة متأنية بقلم: الأديب والناقد _ محمد البنا في القصة القصيرة " أوراق الزيتون " للقاصة المبدعة / إيناس سيد جعيتم





بين التفاحة وأوراق الزيتون ..رحلة

قراءة متأنية في القصة القصيرة " أوراق الزيتون " 

للقاصة المبدعة / إيناس سيد جعيتم.

.........


عرض مشهدي رائع وموحي، وتناص قرآني محكم بتصرف، بدأ بخطيئة نبينا آدم ( التفاحة ) مرورًا بطوفان نبينا " نوح " وابنه العاصي، و بقميص نبينا " يوسف " وصبر نبينا " يعقوب " وانتهاءً بأوراق الزيتون والتطهر من الخطيئة ( السلام ).
الاهتمام بالتفاصيل دون إيغال، وإنما بما يكفي لتشكيل اللوحة المشهدية بكلمات تصويرية محكمة.
المعالجة جاءت هادئة في تسلسل سُلّمي متصل، وانتهجت عقدة الخلاص في الديانة المسيحية بتحوير جيد ( فن أدبي )، مفاده أن لا أحد يخلصك من خطيئتك سوى نفسك.
اللغة سلسلة بلاغية دون تقعر، وتنوع السرد بين وصفي ومونولوج وديالوج، واعتمدت الكاتبة على الأفعال الحركية بأنواعها الثلاثة، على سبيل المثال لا الحصر..سار/ فعل ماضي، يعتصر / فعل مضارع، مد / فعل أمر.
هذا النص أعتبره من النصوص الكلاسيكية، وهو ما لم آلفه فيما قرأته من قبل للكاتبة المبدعة.
سر الجمال الخفي لهذا النص هو..تلك المهارة المميزة للكاتبة في التحكم بإيقاع النص.


بقلم محمد البنا ..٩ يونيو ٢٠٢٠

........ 
النص
......

أوراق الزيتون

بخطواتٍ رشيقةٍ سار متجاوزًا عثراتِ الطريقِ الوعر، لم يزعجه شيءٌ قط سوى ذاك الصوت، لم تفلح طلتُه المميزةُ وبريقُ عينيه الآخاذُ في إسكاتِه، حاول الترفعَ عن هذا الشعورِ البغيضِ، ذلك الالمُ الذي يعتصرُ أعلى صدرِه ينازع دقاتِ قلبهِ ليفتك بها على مهل، مخلفًا خواءًا شرهًا يلتهم روحَه، هو الجوعُ لاشك، انتقى موضعًا وجلس فيه، أخرج ما لديه من طعامٍ فلم تفلح اللقيماتُ في إرضائِه، قام متغاضيـًا زاهدًا فيما يحمل، إذ كيف لهذا الطعامِ البسيطِ أن يسد جوعَه الهائل!! ما عاد الطعامُ يشبعه.
بجانبِ سورِ جنةٍ وارفةٍ سار، تتمايلُ أشجارهُا وقد ثقلت أغصانُها بأنواعٍ شتى من الفاكهة، تسللت رائحتُها بخفةٍ إليه، أصابت مواضعَ شهوتِه فرفع رأسَه إليها، تتدلى بدلالٍ وسط الأغصان، كياقوتةٍ حمراءٍ بضةٍ تتخفى بين أوراقِ الشجر، لمعت عيناهُ وهو يتطلعُ إليها، لم يشتهِ تفاحةً قط كما اشتهاها، هفا لها خواؤه -إنها هي، هي كفيلةٌ بإشباعِك، بملء ذلك الفراغِ الذي لم يفلح طعامٌ قبلها في احتوائِه- نظر للسورِ العالي الذي يفصلهما، من بناه زاده في الطولِ ليحصنَها وما جاورها من قطوف، لم يفلح علو السورِ في اثنائِه عنها، هو يريدُها، يعلم أنها ليست له ولكن توقَه أكبرَ من خوفِه من صاحبِها، تسلق السورَ واقتطفها، هبط ممسكًا بها بشدة، تطلع لها منبهرَا، لونُها ورائحتُها استحوذا عليه، همَّ بقضمِها ولكنه تراجع، إذ كيف لأسنانِه أن تدنسَ هذا الجمال، تزينت له بحمرتِها وهمست الرائحةُ.. تذوقني، قضمها ليسيلَ عصيرُها عسلًا سائغا، تدنيه روعةُ المذاقُ من الإشباعِ، تهبطُ القطعةُ الصغيرةُ ببطءٍ لتغمر خوائَه خضارًا يانعا، وتشعل جذوةً قاربت الفتور، تملكه العجبُ، أيمكنُ لقضمةٍ صغيرةٍ أن تمنحه هذا الرضا!! 
قَلبّها بين أصابعهِ بحرصٍ ثم دسها في حقيبتِه ليخبئها عن العيون، سار منتشيًا مترقبًا مكانًا يليقُ بأن  يستمتعَ بها لآخرها، مأخوذًا بسحرِها أكمل الطريقَ دون وعيٍ حتى أتى ضفةَ نهر، تتسابقُ أمواجُه بين صخورهِ وتعرجاتِ مجراه، عبورُه لا مفرَ منه، حسم الأمرَ ونزل الماء، انزلقت قدمهُ ، مثقلًا بحملِه غاص جسدُه ليهوي في لجةٍ بلا قاع، قاوم بكل ما أوتي من قوةٍ بلا فائدة، مابين الفقاقيعِ والأعشابِ رأى وجهَ أبيه ويدَه الممدودةَ له، تشبث بها فرفعته بخفةٍ لتُخرج رأسَه من الماء.. 
-أبي..
لبد الغضبُ وجهَ أبيه فأشاحه عنه..
-أبي إني التجئ إليك، فاعصمني.
 -يحولُ بيننا ما تحمل.
خلع حقيبتَه وألقاها بجوفِ الماء.
-ها أنا ألقيتها إلحِقني بمن معك.
-لازال جوفُك يحوي معصيتَك يا ولدي.
- مُد إليَّ عصاكَ تشق الماءَ عن صدري وتخرج خطيئتي.
-أمرُك بيدِك يا ولدي، لن يطهرَك سوى نفسِك.
انزلقت يده ليتخبط مذعورَا بين عبابِ الموج، ينجذبُ للقاعِ بسرعةٍ، ووجهُ أبيه يغيبُ عنه، غرس أصابعَه ليشق صدرَه فتخرج القضمةُ، لتسقط كحجرٍ أسودٍ للقاعِ بينما يمتلئ صدرُه نورَا يرفعه بخفةٍ للسطح، طفا جسدُه المرتخي المغسلُ بالماء، سحبه والدُه ودمعاتُ عينه البيضاءِ تبللُ لحيتَه، خلع ردائءَه وألقاه عليه، ارتد الهواءُ لرئتيهِ، ارتمى بحضنِ أبيه متدثرًا بأوراقِ الزيتون.




******************

           إيناس سيد جعيتم






عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية