زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الهايكو _ كاميرا وقلم (رؤية نقدية) بقلم: الأديب _ سيد عفيفي / عضو اتحاد كتاب مصر





الهايكو..

كاميرا وقلم

(رؤية نقدية)

*****


أولا؛ مقدمة

الهايكو هو الوجه الٱخر للشذرة في الشعر المعاصر حتى وإن كانت أصوله غير عربية، يطلق عليه كتابه قصيدة وهو -من وجهة نظري- ليس بقصيدة إذ لا تتوفر فيه مقومات القصيدة كما وكيفا، ووصفه بالقصيدة إجحاف في حق القصيدة العربية المشبعة طولا وعمقا وموسيقى، لكن يصح أن نسميه باسمه فقط.. هايكو.
بيد أن هناك تباين بينه وبين الشذرة من عدة وجوه واضحة المعالم، منها مثلا أن الشذرة فلسفة وجدان، والهايكو فلسفة طبيعة مصورة بالكلمات، للهايكو بنية ثابتة أما الشذرة فمنطلقة متحررة، الشذرة تغرق في المجاز والهايكو سابح على وجه المشهد، يتميز الهايكو بخاصية القطع أما الشذرة فغالبها مقاطع متصلة وسوف أوضح ذلك بتفصيل، أما نقاط التلاقي فتتمثل في شدة الاقتضاب، وفي قرع الذهن بالمفارقة والإدهاش، ويلتقيان عند مفهوم لغوي واحد وهو التشذير، بمعنى تقديم الأدب الشذري المضغوط لفظا حد الانفجار فكرا.
،،،
نموذج التشريح النقدي
هلال شاحب
ينتظر وجه الشمس
ضمور الشغف!

..................

ثانيا؛ بنية الهايكو

لما كان الهايكو يمثل الكاميرا التي تمد القلم ليصف ويرسم المشهد بالكلمات، فإن الهايكو يتصدر بالجملة الظرفية التي ترسم مكان أو زمان التصوير، وليس المقصود بذلك الالتزام بتحديد المكان والزمان كلاميا، ولكن كل مايشير إليهما باتساع، في نموذج التشريح أشارت الصورة (هلال شاحب) إلى زمكانية مضمرة، فالهلال يرى في جو السماء كمكان، ووقته الليل، وبما أن للقمر منازل متغيرة على مدار الشهر فإن مرحلة الهلال الصغير تكون في أول الشهر أو ٱخره، وفي أول الليل أو ٱخره.
الجملة الثانية من الهايكو مناطها الحراك والاضطراب، فليس هناك صورة ثابتة كل الثبات في الطبيعة، ويمثلها الفعل المضارع بفاعله أو مفعوله أو كلاهما معا، ويمتنع الزمن الماضي لدلالته على السرد وتمام الحدث، أما المضارع فيشكل الاستمرار مع التوصيف في ٱن، وفي النموذج (ينتظر وجه الشمس)، قدمت صورة المنتظر في ضجر وملل، فهو هلال شاحب يأبي الاستمرار على حاله ويترقب استدارة الزمان والمكان ليكتمل بدرا.
سنتوقف الٱن بالتفصيل مع جملة الختام في نص الهايكو عموما، إذ يعول عليها معظم العناصر المميزة له، كالمفارقة والقطع، كإسقاط فلسفي لمعالم المشهد الطبيعي على عالم الإنسان فكرا ووجدانا، في النموذج ختم النص بجملة اسميه هي خبر لمبتدأ محذوف (ضمور الشغف)، والتقدير (ذلك ضمور الشغف) حذف المبتدأ لوجود ما يشير إليه ضمنا وهذا مراعاة لثلاثة عناصر تميز الهايكو

- الاقتضاب 
- القطع
- المفارقة

وكلها تتمحور حول سحب صورة الطبيعة على الإنسان، لكن ما هي خاصية القطع التي ينفرد بها الهايكو عن الشذرة؟
القطع في هذا النص هو تحويل السياق في الشطر الأخير  بدون ربط لغوي، الهلال الشاحب الذي ينتظر وجه الشمس مشهد علوي سماوي، أما ضمور الشغف فهو إحساس باطني محله وجدان الإنسان، وهنا يكمن قطع السياق، ولا يظن أحد أن القطع هنا قطع كامل، لكنه القطع الذي يثير الذهن للوصل، فثم شبه كبير بين شحوب الضوء في السماء وضمور الشغف الإنساني، فالإنسان يخبو نوره ملامحيا ونفسيا عندما يغيب عنه مصدر الإمداد بالطاقة الإيجابية، وهذا المصدر يحيلنا إلى توقعات كثيرة، فقد يكون النجاح هو مصدر الطاقة والشغف، قد يكون الصداقة والمودة، الحب واللقاء..إلخ

ثالثا؛ ماذا أضاف الهايكو؟

في أدبنا العربي ليس ثمة فن أدبي يعني بالمشهد ويتخصص فيه، ويقدمه منفردا هكذا بغرض فلسفة الصورة، وهذا لا يعني أن تصوير الطبيعة بشكل فلسفي لم يكن موجودا من قبل أن نعرف الهايكو، بل هو يملأ متون الروايات العربية قديما وحديثا، تعج به متون القصائد على اختلاف نظمها شعرا ونثرا، لكن ينفرد الهايكو بالتكريس والتخصيص.
كذلك جاءنا الهايكو من ثقافة الشرق في عصر يميل فيه القارئ والكاتب إلى شدة الاقتضاب بل وتقديم وجبة أدبية خفيفة تتناسب وإيقاع العصر المتسارع.
ضف إلى ذلك أن الهايكو- الإبداعي الصحيح وليس النمطي الضحل- يصل إلى عمق القارئ مختصرا معاني ضخمة ألبسها الكاتب ثوبا ضيقا من الحروف، وهنا تجدر الإشارة إلى نصوص الهايكو التي أراها تصويرا محضا للطبيعة، وليس فيها عمق ولا ربط فلسفي إنساني، فأقول لكاتبها ضيقت واسعا.

أخيرا

ما زال الهايكو حائرا حتى اليوم في الوسط الأدبي، فلا هو استقر قبولا وتذوقا بين الجميع، ولا هو رفض ونبذ، وخصوصا بعد محاولة تعريبه وصياغته على النسق العربي ذي الإيقاع الموسيقي والتصوير المجازي المغرق، والحقيقة لقد امتهن الهايكو- كما تمتهن الأجناس الشذرية- بعد الزج به في فقرات وسجالات وتسلية، كيف للكاتب أن يصور مشهد للطبيعة ويمزجع بالفلسفة الإنسانية في لحظة ما دون التأمل والتفكر؟
كيف للكاتب أن يحقق في نص الهايكو سمات التفرد من تصوير وحراك وقطع ومفارقة وربط كل ذلك بخلفيات العمق الوجداني وذلك كله في لحظة السجال؟
أتمنى أن يكون المقال جامعا مانعا مختصرا مفيدا لكل المهتمين بفن الهايكو، وسيتبعه مقال ٱخر لإكمال الحديث عن السنريو والتانكا، أما الهايبون فسوف أفرد له مقالا مستقلا لشبهه الكبير بالنثر في أدبنا العربي


******

سيد عفيفي 

عضو اتحاد كتاب مصر





عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية