أضغاث أوهام
*******
وبعد أن ينتهي كل شيء يا عزيزتي ستعرفين حينها بأن أسوأ قرار اتخذتيه ليس إلغاء موعد مناظرة قلبينا على مرأى ومسمع من الحواس أمام مرايا الحقيقة، ليس قرار افتراقنا أيضا، ستدركين وقتذاكٍ بأنكِ اقترفتِ إثماً لن تسامحكِ عليه الذاكرة ولن تغفره لكِ الأيام، أعرف أنكِ تتضورين شوقاً كي تعرفين ما أقصده بالضبط في حروفي لكنني سأخبركً بذلك لاحقا، وهنا أسالك هل حقاً أنكِ بُتِّ على قناعةٍ تامةٍ بأن مطر الغياب يغسل عن قلبك ما عجز عنه حضوري؟ أقصد هل كنت جادة حين قُلتِ بأننا في الغياب نبدو أجمل؟!
ولنفترض جدلاً بأن لقاءاتنا الأخيرة قد فضت بكارة الوهم حتى نزفت المواقف على سرير الخيبة هل كان من اللائق أن نمارس الكثير من الأثام بذريعة الوقوع في شرك الخطيئة؟
أقصد ما ذنب قلبينا أن يدفعا ثمن ما يرتكبه جسدينا من حماقة مع كل نزوة لقاء عابرة؟
حسناً إذاً ألم نتفق أكثر من مرة بألا نشيطن سلوكياتنا على النحو الذي يجعل من احتمالية تصيد الأخطاء أمر وارد لا محالة، هل كان من اللائق بنا أن نخرج أسوأ ما نخبئه تجاه بعضنا لحظة فرط عصبي جارف إلى درجة أن نهدم ما شيدناه منذُ سنوات خلت دون مراعاةٍ لتلك اللحظات الجميلة والحميمية بيننا؟
تعرفين ياعزيزتي، أنتِ فتاة جميلة وعفوية للغاية، قلبكِ معجون بماء البراءة وروح الطفولة المفرطة، لكنكِ أيضا تعانين من حساسية فائقة، حساسية تجاه أبسط الأشياء، الكلمات والمواقف؛ الأمر الذي يحتم عليَّ أن أكون حذراً في سلوكياتي معكِ إلى حد كبير.
أنتِ فتاة تعشق الكاكاو والقهوة وتناول الأندومي -بنكهة الخضار- وقراءة الروايات بالطبع، تخافين الأماكن المزدحمة والزيارات، لا تتورطين غالباً في بناء الكثير من الصداقات تجدين صعوبة بالغة في ذلك أو ربما لأنك تعتقدين بألا جدوى من أن ترهقي ذاتكِ في هكذا أمور سخيفة حسب اعتقادكِ
لكنكِ في المقابل ما أن تصادقين إحداهن حتى تنجذبي نحوها كبرادة حديد وضعت على مقربة من حقل مغناطيسي، تفصحين لها عن كل أسرارك الدفينة، لا تجدين حرجا في أن تفضفضين لها عن علاقتك بي، ترغبين أيضا في أن تبقى معك على الدوام وتغارين كثيرا فيما لو انشغلت عنكِ لبعض الوقت وسرعان ما تستحيلين إلى شخصية عدائية شرسة فيما لو لمحتيها بالصدفة تضحك مع إحدى صديقاتها الأخريات.
الأمر سيان معي أيضاً تعتبرين أي فتاة تتقرب مني خيانة عظمى تستوجب انفصالنا على الفور، هل من المنطق يا عزيزتي أن نحاسب أحدهم دونما جرم ارتكبه فقط لأن إحداهن حاولت التقرب منه مع أنه لم يعرها أي اهتمام يُذكر؟
من الخطأ بمكان ياعزيزتي أن نخوَّن الأخر بناء على سلوكيات طرف ثالث يلعب دور عود ثقاب حشر نفسه على مقربة من كومة قش ومادة زيتية سريعة الاشتعال.
ولتعرفي أخيرا ياعزيزتي بأنني لست مستاء من فكرة غيابك، أنا فقط مستاء من قراراتك المجازِفة واللامحسوبة والتي تتخذينها في الغالب وأنتِ في ذروة عصبيتك هكذا سلوكيات غير محبذة بالطبع.
وهنا سأخبرك بأن أسوأ قرار اتخذتيه على الإطلاق هو كيف أنك سمحتِ لعود الثقاب ذاك أن يشعل كومة القش بينما اكتفيتِ بتجريمها والمراقبة عن بعد فقط دون أن تحاولي حتى أن تعزلي عنها عود الثقاب أو أن تخنقي تلك الريح الدالفة من نوافذ الفراغ العاطفي -تلك النوافذ المشرعة لغياباتكِ المتكررة- فتكسري بذلك أحد أضلاع مثلث الحريق طبقا لقواعد السلامة.
وهنا أتساءل لِمَ لَمْ تحاولي ولو لمرة؟
الأمر في غاية البساطة ياعزيزتي، حاولي أن تلتحقي بدورة في الأسعافات الأولية، حينها فقط ربما ستفهمين قصدي.
*****
عبده الصلاحي.
