ثقب سريّ
******
انزوى في سريره المسود..كان النزيلَ الجديدَ في الزنزانة الطويلة؛ وبحكم التقاليد المتبعة هنا فسيكون سريره ذاك الذي يقبع آخر الزنزانة مستنداً الى الحائط الملاصق للحمام المشترك بين النزلاء .
حاصرته عيون زملائه المساجين ،نظراتهم تتفحصه وتنتهك أستاره ،و تقلبه على سفود ساخن من ملاحظات غير منطوقة .
هذه هي الليلة الأولى له في الزنزانة وفي هذا السرير ،
في كل لحظة تهب عليه روائح العفونة و النشادر الزنخ لتي تفتك بأنفه وتنفذ إلى مؤخرة رأسه فتجعله لايحيد عن التفكير في الحمام الجاثم وراءه . يحاول التركيز على العتمة وهي تخفي أنين بعض المساجين المرضى وتبتلع آهات الآخرين الذي يغوصون في عالم أحلامهم الرطبة ، لكن لاجدوى . تعدى الأمر قدرته على الاحتمال .نهض من سريره قرر أن ينظف الحمام ليتمكن من النوم ولو للحظات ، دخل وأغلق الباب على نفسه وبدأ بعمليات التنظيف بدءاً من أعلى الجداران نزولاً للأسفل.أخذ يفركها بليفة خشنة مضيفاً ماتيسر من مواد تنظيف.عندما وصل الى الجدار الأخير اهتزت قطعة حجارة وارتمت في كفه ، فبرز له ثفب نفذت منه روائح أنثوية دوخت رأسه .وقف على رؤوس أصابعه ونظر من خلال الثقب . فبدا المنظر أمامه مترعاً باللهفة .كان مكاناً ضيقاً يبدو مترفاً نظيفاً معطراً بالنسبة (للخم) الذي هو فيه و حدس أنه ربما يكون حمام زنزانة النساء التي تلاصق زنزانته ؛ وأخذه الشك فهو لايعلم حقاً ماهو هذا المكان الذي ينسل منه نور خفيف، فتبدو امرأة بقامة ملفوفة مكتنزة ؛ وهي تعيد ضبط ملابسها ويبدو ظهرها مشدوداً ناصعاً مثل لوح خشب مطلي بطلاء لامع ، تفرس في الخطوط التاعمة لجسدها وانثناءاته الغنية بالدفء ، ذاب مع كل تفصيل تسعفه تلك الرائحة التي تخدر عقله وتثير كوامن شغفه ، تعالى لهاثه مع كل حركة من حركات المرأة ، وتوفزت حواسه باتجاه مغناطيس أنوثي يجذب كل شيء حوله،طفح ماء حار يفور في شرايينه .فاحتضن الجدار وأخذ يغوص في شعوره الغامر باللذة حتي سقط مغشياً عليه .
أفاق على ركلة أحرقت مؤخرته : قم يا ابن الساف.....
- " منذ متى وأنت تعلم بأمر الثقب في جدار الحمام .."
نظر حوله فإذ هو في فراشه والجدارن السوداء بخربشاتها الوقحة تطبق على رأسه ، قفز منزوياً على طرف الفراش المسود والعرق يغرقه ببحيرة مالحة تشكلت على حدود جسده ، الأرجل القوية بأبواط مدببة تتابع تمزيق جسده ، وعيون زملائه النهمة تتابع شيّه على سفودها الساخن .
*****
عبير عزاوي
