زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة انطباعية _ بقلم الاديب الناقد( عماد نوير) / في نصّ شعريّ للكاتبة : زهراء ناجي





قراءة انطباعية في نصّ شعريّ للكاتبة الشاعرة (زهراء ناجي) 

بقلم الاديب الناقد( عماد نوير)

الأثر النّفسي في استعبار الذّكرى

—————————————


عند الكتابة عن الوطن تجد الكاتب يستنهض كل قرائحه، فهو دون شك يحاول أن يرسم بسمفونية حروفه شعورا غريبا يخالجه كلّما داهمته ذكريات الغرس الأول.

الحبيب شوق دائم، و حبّ الوطن حنين أبدي، يسيح الجسدُ في أطناب الأرض، و جذره راسخ لا يتزحزح، العيون تبصر كل جديد، و اللّبّ يمتلأ بمشاهد الطّفولة و الصّبا، فتمتزج الحداثة بتراث الأيام الخوالي.
التّغنّي بالأرض الأم ليس عيبا قدر ما هو تنفيس لتراكمات نفسيّة يعيشها البعيد عن ذكريات البراءة، و هو انزياح ذهني يقترب به إلى حياة يظنها أكثر تواؤما مع حياته التي غيّرتها الظّروف، فالعيش في المدنيّة المفرطة شيء حسن إذا قورن بعيشة قبلية محدودة الآفاق، لكن هناك نقاط تشير بشدّة إلى الكينونة الأَولى و عفوية كل شيء فيها، بساطة الملبس، عدم التّكلّف في انتقاء مفردات الحديث اليومي، الفطرة السّائدة على المجتمع المتكافل، شكل الفرد الذي يوحي بأنه يؤازرك دون سابق معرفة، فقط لأنه جُبِل على ذلك، جلسة العائلة اليومية، الزّيارات الدّورية، دندنة الأم عند مشاطرة صغارها النوم، دعاؤها لكل مهمة و إن بدت بسيطة، و عاملها النّفسي المؤثر في داخل الأبن أو الزّوج أو الأخ، كثير من الأشكال العرفية و التّقاليد المحلية تبعث في النَّفْس إشارة خفيّة مفادها: لو تهيّأت لنا الرّحلة لذاك العالم، عندها يبدأ الذّهن بتوارد الأفكار و بثّها عن طريق الحرف، قصيدة، قصّة، خاطرة، شذرات و كتابات متنوعة كلها تصبُّ في مسمّى الحنين و الشّوق إلى رائحة تراب الأرض الأولى.
و هنا ندرك، و نعيش مع ذلك البيت الشّعري الذي قرأناه مرارا، و حفظناه عن ظهر قلب، و كيف أعجبنا صغارا و أثّر فينا كبارا:
نقّل فؤادك أين شئت الهوى
و ما الحبّ إلّا للحبيب الأوليّ
كم منزل يألفه الفتى 
و حنينه أبدا لأول منزل..

عشرات النّصوص تصادفنا يوميا، كلّ يناغي فيه ليلى تخصّه، و كثير منها إن لم نقل أغلبها، يحاكي الذّكريات و ما اندثر معها، و ما بقت منها إلّا إطلالا يتغنّى بها.
و ها نحن هنا مع نصّ من نصوص الحنين و العودة إلى صفحات قديمة من العمر، يمنحنا برحلته شعورا دافئا، و لذّة و طمأنية و نشوة.
دفقات من العوامل النّفسية المصاحبة للغوص في بحر الذّكريات، و خلق حالة من السّعادة من خلال تجسيد المواقف القديمة و جعلها جوّا سائدا لساعات أو لحظات، فتلك تكفي لشحن الرّوح بحقن البهجة لفترات طويلة.
على هامش الذّكريات
كلمة ذكريات وحدها تبعث في نَفس القارئ شعورا برغبة ملحّة لاستكشاف ما بعدها، و هي بنفس الوقت ترسل إشارة لعقل المتلقّي، و تحفّزه لاستذكار صورا خلدت في حياته، عليه تقليبها من وقت لآخر.
على هامش، يبدو أن الذّكريات تزخر  بمواقف كثيرة و أحداث جمّة، و هناك على الهامش تنسلّ و تتسرّب صور لها وقع مؤثر على المخيّلة، من شأنها أن تجدّد نشاط المرء و إيهامه بالعيش في تلك الحقبة و أولئك الشّخوص و أحداث جمعتهم و لقطة صوّرتهم فخلدت تلك الصّورة.
فمن العنوان نلج إلى نصّ ناكص، يعود بالعقل إلى طلل الحبيب و طلل ذكريات البيت الأول، و الهامش هو الخارج عن التّدوينة، فلابد أن الكاتب يشير إلى ذكريات ذات صبغة لا تأفل، خلاف الذّكريات الأخرى التي تكون عرضة للنّسيان و الخمول و الاندثار، فهي على غاية من الأهمية لتعيش في وجدان الرّاوي..!

((حيث يموت الدمع بعيدا
بنحيب نبض القلب
عندما نفتقدهم
واحداً 
واحداً))

كأن للدمعة روح و حياة قابلة للموت، فهي ليست وسيلة للتّعبير في نظر الشّاعر، فلم تأتِ دمعة متحجّرة في مقلة، كما نتصوّرها دوما، بل جاءت كائن يرافق كائنا، فيحيى معه و يموت لموته، و كيف يموت هذا الكائن الذي يُسمّى دمعا؟
يموت بارتفاع دقّات القلب، كأن دقات القلب نحيب هي الأخرى، و كل ذلك بعيدا على حد قول الشّاعر، و لابد من سبب قاهر لتموت الدمعة و ينتحب القلب، حتما فهناك فقد، عندما نفتقدهم، و الافتقاد تذكّر أيضا، عندما نتذكّرهم واحدا واحدا.

((أولئك البعيدين عن مرافىء الشوق
كل الذكريات معهم
حين نبدأ بالتدوين ورسم وجوههم
لوحات، قصص، وقصائد
وأنين كالمجانين
والغرباء يسحقون عظامنا
سنكون يوماً دون قفص صدري
والوسائد ذاتها منذ أربعين عاما 
امتلأت بالحنين))

صورة مؤلمة، وصف دقيق لما تطرّقنا له في القسم الأول من البحث، فوجوه الأشخاص البعيدين ترسمهم ريَش و أقلام، و يضيف الكاتب شيئا جديرا بالذّكر، (أنين كالمجانين) فهو حقا يعيش حالة من التّيه زمنا طويلا، يبحث عن حياته السّابقة في كل شيء، ربما يجدها في حسرات و أنين تشبه أنين مجانين العشق في التاريخ كمجنون ليلى و مجنون أسماء و مجنون اليمامة و مجنون عفراء و غيرهم من مجانين العرب، ناهيك عن مجانين الأمم الأخرى.!
و هؤلاء الذين لا يمتّون لنا بصلة، سوى أن الأقدار قد فرضتهم علينا، يسحقون أحلامنا، فلم يكن لنا غطاء يحمينا، فلا قفص صدريّ يحمي بحبوحة الأحلام في دواخلنا، غير وسائد الحنين التي تشكي لنا شوقنا عبر الدموع، طيلة عقود تمتد لعشرات السّنين.

((هنا يستقر بنا التاريخ
دون لعبة عناق غارقة في العطر 
يسكب الصيف جمرا في قلوبنا
يرتدي أسطورة من حكاياتنا
مدينة على ضفاف الفرات
الفقراء فيها فلاسفة
والعذارى فراشات
عشق الطفولات))

يبدأ الشّاعر الإفصاح عن مكنونات نصّه، فهو يحاكي مدينته التي أشرقت فيها شمس حياته الأَولى، مدينة ذات صيف لاهب حارق كالجمر، فيها حرقة كبيرة تكوي القلوب المحطّمة.
يسهب في وصف الصّيف كناية للجنوب، و تحديدا غفوتها على ضفاف الفرات، منطق بسطائها الحكمة و الفلسفة، و جميلاتها فراشات تحوم حول مشاعل نبراسها من العلم و الفن و المعرفة، هي مدينة عريقة إذا، لا يمرّ بها التاريخ عابر سبيل، مالم يركع متبركا بفيوضاتها العظيمة.

((عشق الطّفولات
وجملة كُتبت للذكرى
على الطين والأنين
صُنعت منها المسلّات
تحت قدم شبعاد
تلك المدينة 
قلبها الغبار
والصوت فيها صدى 
يغطي تراب الأثار 
يصلب فوقها الحزن 
يعزفه ذلك العود 
نشيد من المواويل 
يحرسها ظل النخيل))

يأخذنا الشّاعر متفاخرا بمدينته، و يحاول أن يعرّفنا بها أكثر، كأنه شخصية متجدّدة، تنبعث في كل زمان في هذه المدينة العظيمة، يربط ذكريات الطّفولة، و العشق الفطري الأول بمسلّات سومر الأثرية، فمن ينظّم الحياة و يسنّ القانون لابد أن يكون رمزا قويا كشبعاد الملكة العظيمة، فالفرد في هذه المدينة هو امتداد التاريخ و ديمومة الشّموخ، فالمسلّات تركع لشبعاد الكاهنة و العالمة و السّيدة!
مدينة قلبها كبير، عمره كبير جدا كأنه عاصفة لا حدود لها و وقت لا محدود، صوتها يسمعه الجميع، يرنّ في الآفاق، يتكرر كالصّدى، مدينة السّعادة و المعرفة و تعليم الحرف الأول في التاريخ، فالحزن فيها تنفيه مباهج عظمتها و عنفوانها، الحزن فيها يتولاه العود و الصّوت الشّجي ليصبح فنّا و أي فنّ! أبوذية و زهيري و دارمي و قيثارة تستمر بالعزف دون توقّف.

((يحرسها ظل النخيل
قمر في العراق 
ابنة عشتار
عاطفه النهر وعطر القداح
ومتعة الشوق في قبلة على جبين أمي
الناصرية
سطور وعطور 
وخبز التنور
مدينة متفرعة في أرواحنا
مولودة في أول القلب))

مدينة ترقد في أمان ظل النخيل، خضرة و ثمرة و جمال،  ابنه آلهة الحب و الجمال و التّضحية في الحروب، كأنها إشارة من الكاتب لما تحمّلته مدينته من تضحيات جسام على مرّ العصور لحماية العراق، و مدّه بقرابين الشّهادة ليبقى بيرقا يشعّ في سماء البطولة، الكاتب الشّاعر ينفجر في وصف مدينته، فهي أمه، و لك أن تعرف قيمة الأم لتشعر بوصفه و وضعها موضع الأم، و أيّا كانت الأم هنا، الأم أَمْ المدينة، فكلاهما بنفس متعة  الشّوق التي تسحر المنتمي لها.
إذا هي الناصرية، مدينة الشِّعر و الشّعراء، و الأدب و الأدباء، مدينة الفن و العلم، مدينة البطولة و الشّهادة، مدينة الطيّبة و العفوية و السمرة الجميلة و الوعد الصادق، مدينة تعطي على الدّوام أكثر مما تأخذ..!
مدينة يحق لكل مبتعد أن يفخر بأن أسلافه قد أكلوا من أديمها و نشأوا من ثمارها.
سطور و عطور و خبز التّنور، مفردات بسيطة بعظمة معان كبيرة، تاريخ يعبق بأصالة و تربية أُمّ تخبز خبزها بتنوّر من طين و عقل محب عطوف.
متفرعة في أرواحنا، نورثها حبا لكل روح قادمة من أرواحنا، تحبها دون أن تراها، فهي تعرف كيف تغرس حبها في عمق التاريخ، في قلوب أجيال لم يلدوا بعد.

شكرا للرائعة زهراء ناجي كاتبة هذا النص الجميل...

مودّتي و التّحيّات.. عماد نوير.

*********

 النص الشعري 

(على هامش الذكريات)


حيث يموت الدمع بعيدا
بنحيب نبض القلب
عندما نفتقدهم
واحداً 
واحداً
أولئك البعيدين عن مرافىء الشوق
كل الذكريات معهم
حين نبدأ بالتدوين ورسم وجوههم
لوحات، قصص، وقصائد
وأنين كالمجانين
والغرباء يسحقون عظامنا
سنكون يوماً دون قفص صدري
والوسائد ذاتها منذ أربعين عام 
امتلأت بالحنين
هنا يستقر بنا التاريخ
دون لعبة عناق غارقة في العطر 
يسكب الصيف جمر في قلوبنا
يرتدي أسطورة من حكاياتنا
مدينة على ضفاف الفرات
الفقراء فيها فلاسفة
والعذارى فراشات
عشق الطفولات
وجملة كتبت للذكرى
على الطين والأنين
صنعت منها المسلات
تحت قدم شبعاد
تلك المدينة 
قلبها الغبار
والصوت فيها صدى 
يغطي تراب الأثار 
يصلب فوقها الحزن 
يعزفه ذلك العود 
نشيد من المواويل 
يحرسها ظل النخيل
قمر في العراق 
ابنة عشتار
عاطفه النهر وعطر القداح
ومتعة الشوق في قبلة على جبين أمي
الناصرية
سطور وعطور 
وخبز التنور
مدينة متفرعة في أرواحنا
مولودة في أول القلب


*******























عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية