زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

يداها قمران _ بقلم: أ. بقلم: ﻋﺒﻴﺮ عزاوي







يداها قمران

****


حركة يديها الدائرية حول رأسه تكفي ليكفر بكل قوانين علم الفلك فالأرض مسطحة بلا ابتسامتها والأفق منزوع الزرقة بلا عبق الورد الذي يهبُّ من كلماتها والهواء مصاب بفقر دم شديد حين لاتعطره رائحة غسيلها الشتوي؛ أمه التي تتكوم الآن على سرير موتها وتنتظر أن يسكب ماء الغسل الأخير على رأسها بينما يداها تتكوران أمام بطنها تامتي الاستدراة ..قمران يلوحان لفضاء جديد عميق ومجهول ..
يمسك أطراف أصابعهما ويدلكها بالماء الدافئ ويتذكر كيف كانتا تنهمران بلوعة مطر مزرق الشفتين؛ وتلتهبان كأصابع البرق التي تشعل الغيوم حين تنهال على جسده الصغير فبضتا والده حين يعود كل مساء مخموراً؛ مترنحاً ؛ فلا يجد مايفعله سوى أن يوسع هذا الجسد الصغير ضرباً ، ورغم أنه يلوذ بأطراف ثوبها إلا أن والده السكران يدفعها بعيدا، يقذفها في زاوية تنوح كثكلى ، وهي تعاود المحاولة ولاتهدأ إلا عندما تغيب عن الوعي تحت وقع ضربات ذلك المجنون؛ وتتركه يواجه بجسده الغض بركان الغضب الفائر في عيني والده ،ولاتهدأ ثورة البركان حتى يقع مغشياً عليه ملقى الى جانبها في غرفة بائسة تتسلل من شقوقها أشعة شمس خجول فتتحول ذرات الشمس الى أضلاع هيكل عظمي يطبق على رأسه، وجسده، ويحولهما الى تمثالين فاغري الفم لطائرين مشدوهين يلوبان في سماء كالحة الغيمات .
يسكب الماء؛ ثلاثاً للرأس وثلاثاً لكل كتف ؛ ينفض ضفيرتها اللؤلؤية يقبل كل شعرة فضية اللون فقد سردت له بعددها حكايات عن أميرات وعربات بأحصنة شقراء ،و أقزام مرحين يتقافزون حوله يؤدون فروضه المدرسية، ويلونون صفحات دفاتره بطباشير شفق قرمزي .
يجفف جسدها النحيل الباهت ، يحرص ألا تظهر اي ذرة منه كما كانت تحرص على أن تلفه بأردية الصوف التي تحيكها يداها فلا تترك للبرد أي فرصة للتسلل إلى جسده الهزيل .
يلف الشرائط البيضاء حول الجسد الهامد ؛ أضلاع الهواء تضغط على صدره تخرج ذرات مشبوبة بدمع يتهاوى في لجة الفراغ حين تهوي به كوابيس الليل المبللة بالعرق والرعب من لهيب نظرات أبيه حين يسأله : أين كنت ؟!
فيتلعثم بالإجابة ، وتنحشر الحروف في حلقه الجاف ، فتدفعها رغماً عنها صفعات متلاحقة تجعل النجوم تدور في حلقات مفرغة حول عينيه .
طوال حياته لم يجب والده على أي سؤال وجهه له .
وعندما مات وقف على قبره باكياً لأنه لم يستطع ان يسأله سؤالاً واحداً فقط : لم حدث كل ذلك ؟!!
في كل مرة يفيق من كوابيسه المدماة بوجه والده وهو يلفظ أنفاسه الملوثة بالخمر والدم ، تتلقفه يداها تدوران حول رأسه وتلفانه بحرير من قُبل فضية فيعاود النوم كطفل لم يرتكب إثماً .
يشرب هذيانه.. ويتمتم : " يداها قمران "
ويسكب ماتبقى من زجاجة الخمر في كأسه الأولى ويصرخ : " بصحتك يا أبي" ...وتنهار فضة قلبه .



********

بقلم: ﻋﺒﻴﺮ عزاوي









عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية