أَ. د. لطفي منصور
أَهْلُ الْمَدَرِ وَأهْلُ الْوَبَرِ:
عُلَماءُ أَهْلِ الْمَدَرِ تَعَلَّمُوا العَرَبِيََّةَ الفصيحَةَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ.
أَهْلُ الْمَدَرِ هُمْ أهْلُ الحضَرِ، يبنونَ مَساكِنَهم مِنَ المَدَرِ، وَهْوَ الطِّينُ اللَّزِجُ المتماسِكُ، يَجْعَلونَهُ قوالِبَ تُشْوَى بِالأفْرانِ كالْآجُرِّ، أَوْ تُجَفَّفُ بالشَّمُسِ الْحارَّةِ، وهم أهْلُ الْقُرَى والْمُدُنِ.
أمَّا أَهْلُ الوبَرِ فهم سُكّانُ البوادي في الخِيام المصنوعَةِ مِنْ وَبْرِ الْجِمالِ، وهم يَنتَجِعونَ بمواشيهم إلَى مواقِعِ الغيثِ والكَلَإ، وهم أفصَحُ العَرَبِ، لِأنَّهم لَمْ يَخْتَلِطُوا مَعَ الموالي، فبقيتْ لُغَتُهُمْ نَقِيَّةً مِنَ شَوائِبِ اللُّغاتِ الأُخْرَى، كما هُوَ الْحالُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدَرِ والْحَضَرِ.
وَمِنَ العلماءِ الذينَ كانوا يَزورون الأعْرابَ في البادِيَةِلِيَسْمَعًُوا كَلامَهُمْ وَيُسَجِّلونَهُ وَيَدْرُسونَهُ أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بنُ الْمُثَنَّى (ت٢١٠هج) كانَ عالمًا بالنحو، وَأيامِ العرَب، وشَرَحَ نقائِضَ جَريرٍ والفرزدَقِ، ومِثْلُهُ كانَ الأصْمَعٍيّْ عَبْدُ المَلِكِ بنُ قُرَيْبٍ الباهلي (ت٢١٦هج)، مِنَ كبارِ علماءِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ وأشعارِ العَرَبِ وتاريخِهِم، وأيّامهم، ومنهم أيْضًا المفضَّلُ الضَّبِّي (ت٧٨٠م) مُؤدِّبُ وَليِّ العهد المهدي بنِ أَبِي جعفرٍ المنصورِ الْخليفَةِ العبّاسِيّ، وَقَدْ جَمَعَ المفضَّل كتابَ "المُفَضَلِيّات" وهيَ مِائَةٌ وَعِشْرونَ قَصيدَةً، مُعظَمُها مِنَ الطِّوالِ، وَقَدْ دَرَّسَها لِلْمَهْدِيُّ وَهْوَ صَبِيٌّ، وكانَ المنصور رُبَّما حَضَرَ دُروسَهُ. ومنهمْ أيْضًا محمّد زِياد بن الأعْرابي (ت٢١٣هج) مِنَ كبارِ العلماءِ، وغيرُ هؤلاءِ كَثيرونَ مِمَّنْ كَدُّوا واجتَهَدوا وَأوصلوا لَنا اللغَةَ الفصيحةَ، ونقلها عنهم أصحابُ المعاجمِ الموسَّعَةِ كابنِ منظورٍ في لسانِ العرَبِ، والأزهريِّ في تهذيبِ اللُّغَةِ، وابنُ دُرَيْدٍ في جمهرةِ اللُّغَةِ، والفيروزبادي في المحيطِ، ومرتضَى الزُّبيدي في تاجِ العروسِ، وعشراتٌ آخَرونَ غَيْرُهم.
وَسَأرْوِي هنا حكايَةً وَقَعَتْ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ المذكورِ سابِقًا تُصَوِّرُ لَنا كَيْفَ كانَ هؤلاءِ الْقَوْمُ يسمعونَ كلامَ الأعرابِ في الباديَةِ:
قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: خَرَجْتُ إلَى البادِيَةِ لِأَسْمَعَ بَعْضَ كَلامِ الأَعْرابِ وَلُغاتِهِم. فَدَخَلْتُها فَرَأَيْتُ رَجُلًا نائِمًا مُتَلَفِّعًا بِإزارِهِ، فرَكَضْتُهُ بِرِجْلي، فقالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ، أَرَدْتُ أنْ أَسْمَعَ مِنْ كَلامِكُمْ وَلُغاتِكم. قَالَ: فَأنْشَدَنِي: مِنَ بحرِ الطَّويل
- يَحِنُّ قَلوصِي ذُو الْخِياطِ صَبابَةً
بمَكَّةَ يَوْمًا مِنْ تَذَكُّرِها نَجْدَا
(القَلُوص: النّاقَةُ الشَّابَّةُ وَقَدْ ذَكَّرَها الشّاعِرُ بقوله ذُو للوزن، وعادَ فَأَنَّثَها في قَوْلَهِ: تذكُّرِها؛ ذو الْخِياط: عَلامةٌ أَوْ سِمَةٌ في فَخِذِ النّاقَةِ لِتُعْرَفَ.
- تَذَكَّرْتُ نَجْدًا مَوْهِنًا بَعْدَما انْطَوَتْ
بِمثْلَتِهِ وَازْدادَ مِنْ أَهْلِهِ بُعْدا
(الْمَوْهِنُ: منتصفُ اللَّيْلُ؛ المُثْلَةُ: الْعِقابُ. زادَ عِقابُهُ لانْطِواءِ نَجْد وازديادِ بُعْدِها)
- فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ لَيْلَكَ كُلَّهُ
أَصابَ حِمامُ الْمَوْتِ أَهْوَنَنا وَجْدا
(يخاطِبُ قلوصَهُ التي تَحِنُّ لِوَليدِها في نَجْد، فهيَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الحنين. ويقولُ لَقَدْ قَتَلَهُ الموت لِأنَّ وَجْدَهُ قَدْ هانَ أمامَ وَجْدِ قَلوصِهِ)
فانظروا أيُّها الأصدقاء إلَى فصاحَةِ هذا الأعرابيَِ وجمالِ شِعْرِهِ، فكيفَ لا نَعْشَقُ العربيَّةَ؟؟
َ
