زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

إيمان _ بقلم: الكاتبة / زينب الشرقاوي


 



《إيمان》


-"يلا تنام يلا تنام لدبحلك طير الحمام"

قالت بتلعثم الطفولة -"تدبحي الحمام مو حرام ماما"

ضحكت أمها بانفراجة - "عم تتهربي حتى ماتنامي ...ماعم ينفع معك شي ..بلكي العصاية تنيمك هالمرة"

-" لا خلص رح نام "

-ضحك ياسين وهو يجلس في زاوية الغرفة يطالع دروسه ..

-"أمي ياسين عم يضحك علي ...بطلت نام "

-لاتحتالي إيمان خانم ...لساكي فصعونة وماعم نئدر عليكي ...ابن خالتك عم يدرس ..."

راحت تبكي كعادتها، فلم تنجح معها أي محاولة بالتهرب من النوم الباكر ؛ شعر ياسين بالقلق عليها، اقترب منها علّه يطيب خاطرها ..

نظرت إليه بعينيها البريئة 

-"ياسين مابدي نام "

شعر أن قلبه يكاد أن يخرج من جوفه ويحتضنها ..ابنة خالته اليتيمة ...الجميع يحبها ..تنمو كنبتة صيفية أمام عينيه ..يتخذ من نفسه حامٍ لها ...لا يفارقها أبداً ...تغفو فيحملها إلى السرير ...يودع خالته، ثم يعود في الصباح الباكر قبل ذهابه للمدرسة ..يلقي التحية على خالته، يأخذها في طريقه إلى الحضانة ...ثم المدرسة ...كم عانى مع خالته أول أسبوع في المدرسة كانت تبكي طوال الطريق ..

- "مابدي أدرس ...بدي ماما "

وكم أرقه جدول الضرب في الصف الثالث الابتدائي .

-"ماعم يفوت بمخي "

صوت القذائف فوق رأسه لم يمنعه أن يتذكر رسوبها في الصف الخامس، وكيف اختبأت وراء ظهره؛ لكن ذلك لم يمنع خالته من توبيخها ...عضَّ على شفته السفلى وكأنه كلما تذكر ألمها شعر بنفس آلامها...


-"القصف زاد يلا شباب لازم نتراجع لورى "

-"يلا ياسين شبك صافن" صاح صديقه 


يجري بين الركام لكنه لايرى أمام عينيه سوى وجهها وهي تبكي تحت شجرة الصفصاف وثوبها ممزق ....

يصرخ ...آاااه ...ويجثو على ركبتيه وكأن كل مايجري حوله لايعنيه ...


-ياسين إذا ماتحركت منيح بتروح فيها شبك يازلمة"


يعاود الوقوف والجري ...


-"مين عمل فيكِ هيك ؟"


- "أخوك عروة "


تمنى يومها أن تُشق الأرض وتبتلعه ...اقترب منها وراح يضربها كمجنون ...وهي ظلت صامتة ...حتى ضمها إليه بكل عنف وراح يبكي ويئن على كتفها أناً يكاد أن يخترق الجبال ...


-"أنا بفرجيه هالكلب "

وقفت تنظر إليه بكل صمت ودموعها تنساب بكل حرقة ...

-" شوالفايدة ياسين ؟"

-" اسكتي لاتحكي هيك"


افزعه صوت الرصاص المنساب حوله ...


-"وقعنا بكمين ...احموا نفسكن"صاح قائدهم 


تساقطت الجثث من حوله ...الدخان كان كثيفاً لم يعد يرى أحدٌ من حوله ..أصوات القذائف أصابته بالصمم ..احتمى خلف أحد الجدران هو وصديقه ..


-"إنت عم تنزف ياحسان

-"يمكن تصاوبت برجلي


لم يعد يدري ما الذي سيفعله بموقفٍ كهذا .. نزع "جعبته" وراح يسعفه إسعافات أولية لكنه انتبه أنه ينزف من مكان آخر ...نظر إليه حسان بحرقة وكأنما يودعه وداعاً آخيراً ...

"ياسين أنا عم موت ..دخلك يا ياسين أمي وأختي

لفظ صديق طفولته حسان آخر أنفاسه بعد أن تدفق الدم من فمه ..

راح يبكي كطفلٍ صغير ...لقد خسرها سابقاً...عصفورته الصغيرة ...رآها بأم عينيه تُساق كالذبيحة إلى غرفة أخيه ...والآن يخسر حسان ..


-"خلص مالي أعدة هون ...رح اطوع بالجيش وهيك مابشوف حدا"

- "مستحيل اتركك لحالك ...رح اطوع معك

- "أنت وحيد أمك ياحسان "

- "مابيهم "


مسح عن وجهه الدموع التي امتزجت بالشحوار، فشكلت على وجهه رسومات غريبة غيرت كل ملامحه الرقيقة، فأصبح كفهد جائع ...جائع للموت في غابةٍ كلُّ مافيها متعطشٌ للدماء ...


وبين الركام والدخان والنار راح يركض مندفعاً، كأنما يبحث عن رصاصةٍ طائشةٍ تخترق أوردته ...


ظهرت أمامه بفستانها الأبيض كطيفٍ لذيذ الملامح ...


تردد "أستحلفك بالله أن لا أراك حتى مماتي"


كانت طائر الحمام الأخير الذي ذُبح كي ينام هو إلى الأبد ...



******


زينب الشرقاوي 
















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية