<< دليل >>
****
رائحة شواء اللحم البشري تدفعه إلى المرور بسرعة فوق ركام مخلفات القصف، الدخان المتصاعد يحد من رؤيته، أصوات الطائرات تشتت صوت الضابط المتردد في رأسه
- لا تعودوا قبل الفتك بجميع من في البلدة حتى حيواناتهم خائنة مثلهم.
التفت إلى زميله المرافق له:
- لا وجود للأحياء في هذا القطاع.
نفث دخان سيجارته بعنف ثم قال:
- ربما تجمعوا في المدرسة أو الجامع، فهذان المكانان لم يهدما.
- ألا ترى رماد الأوراق المتطاير من خلف سورهما، فلنذهب للمكان الآخر.
- اذهب أنت ريثما أتفقد المناطق المحيطة به.
بهدوء تقوده قدماه إلى الداخل، بقوة يحتضن سلاحه كما تحتضن الأم وليدها، يرعبه خواء قلبه المناقض للأمان المنبعث من المكان، ببطء يقترب، تثير رعبه هسهسات خفيفة، يطلق تنهيدة..
- آه، لقد أرعبني هذا الجرذ القذر، تبا لكل هذا ولعقل ضابطنا الخرف، أنى للناس أن يبقوا أحياء بعد هذا القصف المكثف لثلاث ليالٍ، من لم يمت مقتولا، مات جوعا، اللعنة عليَّ وعليهم وعلى الدولة وعلى الدنيا.
يقترب من باب الخروج، لاح ظل صغير ، يدنو أمامه،
- يا ويلي إنهما طفلان، ماذا أفعل الآن؟ إن الأوامر واضحة.
ينظر لهما من خلال بندقيته، كان الأول في العاشرة من عمره يحمل بيده الجرذ مقتولا بينما كانت السكين بيده اليسرى ملوثة بالدم وبجواره طفل آخر ذو ستة أعوام.
تساءل في داخله هل وجب عليَّ قتلهما، إنه موضوع صعب إما حياتي أو حياتهم.
- لو لا أني عرفتك جبانا طوال حياتك لقلت أنك خائن للبلد وللزعيم.
قالها زميله الذي فاجأه بالدخول
- لكنهم أطفال، لا ذنب لهم بما يحدث.
- إنهم أولاد مجرمين ومناهضين للدولة، لقد رضعوا الإجرام منذ صغرهم، انظر إلى الجرذ المذبوح فهذا أكبر دليل.
- ربما ينفع معهم إعادة التأهيل النفسي.
- لا، إن العرق دساس.
يستيقظ من كابوسه المتكرر كل ليلة، وطيلة السنين العشر الماضية، لم ينفعه وشم صورة رئيسه الباسم على يديه فما زالت آثار دمائهم متناثرة عليها.
****
نور الخالدي
