زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

كيان _ بقلم: أ. شاكر محمد { رصيف الأمل }


 



كيان


****

                                                     

هل شدّت الصّورة انتباهك..؟ هل لاحظتَ خوفها، تعلّقها..

وحدتها وغربتها..؟ رُبّما شعرت بذلك لبرهةٍ! حسناً،، سيُحدّثكم لِسان ذاك الطّفل المحتضنٍ لدميتهِ وكأنها أغلى ماملكت يداه أبداً.

                       --------- --------- --------

" مرحباً، أنا غالي... ابن الرّبيع الخامس، 

مازلت أرى الدّنيا بعيونٍ حالمةٍ وقلبٍ رجيفٍ، أنا ذلك الطّفل الذي يحرص دوما على حفظ ما يخصّه،، كإِبقائي على لعبتي التي شوّهتها الأيّام فاهترأت بفعل الزّمان، أو كثيابي القديمة التي كلّما أضحت رثّة اِلتصق بها جسدي كأنه يرفض مفارقتها حتّى أشيائي المُعطّبة؛ كانت نفسي تأبى إلقاءها، وكنت أحاول جاهدا إصلاحها لتُعمّر معي طويلا.


كنت طفلا حينها.. وكنت ذاك النّجار والحدّاد والخيّاط والكهربائيّ والميكانيكيّ.. باختصارٍ؛ كنت عامل الصّيانة مُتعدّد الاختصاصات، وكانت خبرتي الوحيدة.. حبّي وولهي بأشيائي، تعلّقي المُفرط بها، وخوفي الشّديد عليهامن الإندثار.

كيف لا أفعل وقد صارت جزءًا منّي..! كيف لا أهتمّ وقد شاركتني لساعاتٍ طوالَ فرحي حينًا وهمّي.. وكيف أقوى على فراقها أو تطيبُ لي نفسي وأنا أسوقها لحتفها بسلّة المُهملات!


هكذا نشأ حبّي لكل ما يخصّني؛ حتى صار طبعًا لا يُفارقني.


... تتكسّر خصوصيّاتي تباعا، تتمزّق، تصفرّ وتتشرذم؛ فتسارع لهفتي وخوفي على فراقها لإلصاقها.. رتقها، وكياستها، تلميعها ونفض غبار الأيّام العصيبة عنها..

إلى أن تغيّر نوعُ ولهي؛

بقي شغف الحُبّ ولكن تراجع بظهور الأحَبّ...

لم أعد أهتمّ بحفظ جماد ممتلكاتي وتنوّعها الكثيف، 

لم يقتصر تعلّقي على قطّي الكسول أو كلبي الأليف.. 

لم أعد أرى في دفاتري مجرّد أوراقٍ حافظةٍ لهمساتي..

لم أعد أكتفي برسم كلماتي واحتضان وحدتي وأنّاتي، لم أعد أرثي حروفًا فاضت بها وُريقاتي، كأولى رسائل الحبّْ، كنبضٍ دقّ بلا سببْ.. كعين باتت تحرس القمر خشية أن يغِبْ...

هكذا بذرتُ حُبّي "للأشياء الملموسة فأنبتتني جذورا من المشاعر المحسوسة.


كبُرت أعرافُ الوله بداخلي إلى أقصى حدّ، فزاد التّعلّق معها بالمُحِبّ.. لم أعُد أُلقي بالاً إن هاتفي صار عطِبْ، لم أعد أتحسّرُ على تهشّم بلّور ساعة تجمّلت بها اليدْ، لم أعدْ أهتمّ إن تعرّضت أشيائي المُخبّأة لعبثِ طفلٍ أو تطفّلٍ من أيّ أحد... 

قد ارتفع الآن سقفُ اهتماماتي، وغدت تلكمُ الأشياءُ 

من غير أولويّاتي... بعد أن غدوتُ الحارس الأمين لكبرى أمنياتي، أتعقّبُ إشراقتها بنظراتي، وأتحيّنُ شمس طلّتها بمساءاتي.. لأهمسها بطيب كلماتي، وأنثر لها عبير شوقي ومكنوناتي.

كان صدق القول والإخلاص من أسمى ميزاتي، حتّى ولو كلّفني سهادًا وأرقًا أُكحّلُ بهما في غسق اللّيل جفناتي..

هكذا أبحرتُ في لجّ الهوى، من دون حسابات.. غير أنّ أشرعتي تلقّفتها الرّياحُ العاتيات، فلم يهنأ أملي بشُطآن النّجاة.

ففيما مضى من زمن الصِّبا.. كنتُ أَجبرُ كسر أشيائي، كنتُ أرقّعُ تمزّق خِرقاتي.. كنت أخيط شرخَ لُعباتي.. كنتُ أصلحُ ثقبًا بعجَلاتي.. وكنتُ أغيّرُ قِطعًا تالفة من مخزون غِياراتي..


كنتُ صبورًا، وأحببتُ قضاء ساعاتٍ بورشاتي؛ طالما أنّ سعيي سيحفظ لي أشيائيَ الحبيباتِ.


هكذا كان الأمر دونما تعقيد، بسيطٌ جدًّا، بحيثُ تهبُ من نفسك من روحك من وقتك من جهدك، حياةً لتلك الأشياء؛ فتُجازى دوامها والبقاء.


فلماذا اختلّت الآن تلكمُ الموازين مع "الأحياء"..؟

لماذا كلّما زدناهم حبّا؛ أغدقونا نكرانًا.

لماذا كلّما احتضنّاهم؛ قطّعوا أوصالنا.

لماذا كلّما كبر اهتمامنا؛ سقونا الجفاف.

لماذا كلّما انحنت شمسُنا؛ تطاول ظلّهم.

لماذا كلّما ضمّدنا جراحهم؛ أراقوا دماءنا.


تتراكم الأسئلة، تُزاحم شوارع عقلي، فتُسارع الخُطى لتسحقني بألفِ سؤالٍ وسؤال،، وأنا العاجز برصيف انتظاراتي؛ مذهولٌ لهذا المآل.


فهل العيبُ فينا وبأطباعنا، هل العيبُ بلهفتنا، بولهنا، بخوفنا، بضعفنا، بحُلمنا، بأمنياتنا، بمشاعرنا، بواقعنا، بمحيطنا.. أو أنّ العيب في غيرنا..؟ أم أنه صنيع عالمنا الذي دأب على المتناقضات، لتُغيّر الوجوه أقنعتها مع كلّ مشهدٍ أو كلّما اعتلى كعبها خشبة مسرح الحياة..؟


أسئلةٌ يستنزفني ثِقلها لتسحق كل ذرّةٍ بجسدي المُنهك، 

وها أنا الآن أقف على الحافة ألتقط أنفاسي، لأراجع درسي من المآسي.. فأدركتُ بأنّ الأيام علّمتني:

-علمتني أن الإفراط بالإحتفاظ يخلّف التراكمات، يُطبِق على الصّدور؛ فتضيق به الرّوح والخلجات..

-علّمتني أنّ السّذاجة فينا إن نطقت، وصمتنا بأقبح الأوصاف وبأبشع النّعوتات..

-علّمتني أنْ أُفرغ ذاكرتي وأمزّق من صفحاتها أوراقيَ المحمّلة بالخيبات.. 

-علّمتني أن لا أطيل التّحسّر على ما ضاع منّي وفات..

-علّمتني أن لا أجبر كسري بالتماس الأعذار كل المرّات..

-علّمتني عدم الإكتفاء بستر جِراحي وتغيير الضمّادات..

-علّمتني أن لا أطيل النّظر لظلالي وأن أصوّب وجهتي أمامي..

-علّمتني أن التّعلّق بكل الأشياء يثقل الكاهل بالمعاناة..

-علّمتني أنّ الثّقة العمياء ماهي إلاّ وثاقٌ من مسَدْ، تغتالك ألف مرّةٍ إن منحتها لقلوبٍ حِرفتها الكذِبْ.


لستُ أدري...!! 

عبثا حاولت استخلاص العِبر من الدّرس.....................!

والآن؛ بعدما وُئدت أحلامي، وتساقطت أوراق أيّامي..  


   "شَاب الطِّفلُ بِدَاخِلي؛ وَمَا أزالُ مُحْتَضنًا لِدُميَتِي."


 من أرشيف الحياة


*******


بقلم: رصيف الأمل




























عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية