حديث المطر
*****
رغم أن في هطول الامطار دعوة صريحة للمكوث في البيت، وتشغيل أسطوانه الخمول المعتق بطعم الحنين، إلا أني لا أستطيع مقاومةالنظر الى السّماء وهي مشرعة أبوابها، مباركة أياديها بإذن ربها جلّ وعلا ..
رشفة مطر بارد تعانق زفرة من نفسي الساخن، تلاقح النقيضين كفيل بأن يجعل خيالي المترف ينضح خصوبة، وبمتنهى الجموح هاهو يرقص أمامي عيانا، أعرف جيدا هذا الشعور الذي يمدّ ساقيه للهرولة حين تصبح كل الطّرق لا تؤدي الى روما ..
إياكِ والزّهد في لحظة ميلاد المعجزة الإلهية المجلّلة بالطّهارة، والمكلّلة بالقدرة على التجدّد..تقول قطرة مطر!
في الماضي حينما كانت أمي تنفض غبار جعبتها الفارغة من قصص ما قبل النوم، تستعيض بقصة مركونة على رف المهمل، تسردها بمنتهى الوداعة.. شجرة فارعة الطول عظيمة، ومتسلق لا يعجز ولا يفتر هو دائم الصعود، يصعد ويصعد و يصعد و..و ...حتى أغط في نوم عميق هادئ، بالطبع لم تكن هذه أجمل قصص أمي، ولكنها مثيرة كالمغناطيس الذي يسحبك لعالم اللّامعقول حيث كل شيء جائز، والعجيب أني لم أسأل أمي أبدا عن نهاية القصة، ربّما لأني عانقت شجرة الأماني، وربّما لأني أدركت مبكرا أنها حيلة من حيل أمي الدافئة.
هكذا هي بعض الأشياء إنما وجدت لتبقى معلقة، العقل يفسدها، ومن الفطنة أن تمضي فيها قدما، لا تبحث عن نهاية الطريق في بدايته، ولا عن وجهته وأنت تحمل بوصلة.. -وهذا ما ندعوه نحن البسطاء ببرد اليقين- .. أن تكون مفرطا في التصديق.. مفرطا في العطاء .. مفرطا في الشغف .. وربما مفرطا في الجموح وبمنتهى الجنون.. تماما كحيلة اللّانهاية الدافئة... أو كالوقوع في الحب حيث المستحيل مجرد وجهة نظر قابلة للنقض!؟.
*****
مرام يوسف
