زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قصة قصيرة: للكاتب أحمد بو قرّاعة قَـــــــدْ


 



قصة قصيرة: للكاتب أحمد بو قرّاعة


    قَـــــــدْ...




تراصّ النّاس أجسادًا فوق بعضها في المساجد تهليلا و تضرّعًا و تكبيرا.
و بحّت الأصوات خَوْفًا و تخويفا و تحذيرًا و ترهيبًا. و لزم الخَلق بيوت اللّه كأنه الذّعر من الموت يتخطّفهم من الشّوارع. و عَادَ الحظّ إلى المصاحف تتشابك عليها الايدي، و عَادت الطّهارة إلى الألسن و صارت الشّفاه تقتسم مع الألسن ثواب التّرتيل و التّجويد و تكاد العيون قراءةً تسبق الشِّفَاهَ نُطقًا و حركة فلا يلتقط الفؤادُ إلاّ الذّعر و الخوف، وامتزجت الاصوات في المآذن ب " تبارك " و "الجنّ" و "لِلَّه ما في السماوات و الأرض" و غير ذلك من السّور.
و في قاعة فسيحة و كبيرة ليس بها مُصلَّى- قاعة في اكبر المطارات العربيّة حدّق القائد الأعلى للطّيران المدني و العسكري في الخرائط المعلّقة إلى الجُدْرَان. و ظَلت عيناه تجُولاَنِ من عاصمة أُورُوبِيَّة إلى اخرى أمْرِيكِيَّة فَصِينِيَّة فَرُوسِيَّةٍ. و تجمّعت آخر المُهاتفات و المراسلات الواردة عليه من مطارات تلك العواصم في كلمات قليلة:" أقفرت كُلّ العواصم و البلدان. ليس ندري ما حصل، ليس هنالك بشر". 
كان ذلك الرّجل قائدًا ذا عِلْمٍ و بَحْثٍ و حِيلة. حوَّل بَصَره مُحدّقًا في خرائط العواصم العربيّة و كاد يضحك لولا توقّد في عَينيه جَرَى إلى شَفَتَيه فتبسَّمَتَا. وَ رَمى بالسَّماعة و استلقى على كرْسِيَّه الفاخر سائحا بنظره في صحراء العرب و بَوَاديها و عواصمها، و كاد يهمس بصوت:" و أيّ حاكم أو ملك أو رئيس او أمير أنظف من ذرّة تُراب عَلقت بِكَعب الرّسول و بنعله ؟! و أيّهم أشرف مَرْكَبًا منه. أَلَمْ يركب نَاقَةً و بَغْلَةً       و تخبّأ في غَارٍ بوّابته عنكبوت؟! هل فيهم أحدٌ صَلّى اللَّه عليه و سلَّم؟ هل يسكن الرّسول قصرا و إفترش وثيرا و توسّد حريرا و حفّت به الغلمان تسقيه و الجواري تغنّيه ؟ّ! ألم تكن الدّنيا بيده فاستغنى بالقليل عن الكثير، فهل في هؤلاء من أغناه الكثير عن القليل؟!
ورفع الرجل رأسه فرأى وجهه في مرآة فقال بصوت مسموع : "حتى أنا ... أنا الذي حيّرني" مرج البحرين يلتقيان " و " سبع سموات طباق" و " لا اقسم بمواقع النجوم " و ان له لموسعون" ما العجب في ركوب  جمل او بغلة او حمار ؟ و ما اجمل أن يبرك جمل هدّار و مستعصٍ يطوّعه راعي الهُجُنِ ليركبه ملك أو أمير أو رئيس في ساحة قصر مرتحِلاً أو في تفَقُّدٍ أو في حرب... سأبتاع كل جمال الجزيرةَ العربية و كل مكان فيه جمل سيكون لي فيه قدم. و أشتري كل بغال و حمير صعيد مصر و السودان و ما جاورهما و من شمال افريقيا أقتني كل الذي راث و نهق و هدر و ضحك ضحكة من انفرج همه و زال غمّه و استراح كالذي انفتح في وجهه باب أنهكه التعب يفتحه ، ثم أمسك هاتفا يريد ان يحادث خاصة خلاّنه و أقربهم اليه دهاء و حيلة   و أسرَعُهُم للربح في تجارة و أضيقهم في انفاق بكسب لا يعود.
انتقل الصّخب و الهرج و المرج من المساجد الى البيوت و الساحات و الشوارع و الأنهج العربية و تعلقت الأعين بالسماء تراقب شهبا عظيمة تنطلق من الأراضي البعيدة تحارب السماء و تسافر كالبرق في الفضاء و ذعر الناس يرون النجوم صارت كبيرة كالمباني من الارض تلاحق السماوات و تتزاحم . هل صارت الارض التي نعيش نحن العرب فيها فوق السماوات فاضحت تلك السماوات ترشقها من تحت بالشهب        و ترجمها بنجومها العملاقة. 
احتار الناس العرب في كل معمورٍ و رملٍ و خرابٍ و ماءٍ و يابسةٍ فضجوا و ارتابوا و بكوا و ناحوا ومنهم من صار يرى  كأنّهُ معلّق من رِجليه يمشي على رأسه خاف تنكشف عَوْرَتُهُ إذا سحب الرأس اليه الإزار    و الجلباب فودّ لو خلقه الله بثلاث ايد ومنهم من أصابه الحول فلا يرى اتجاها. و منهم من كاد يصيبه الهبل و الخبل . و عاد علماؤهم الى بعض الكتب كَـ "كتاب الفتن" و " التذكرة" و "عذاب القبر " ظهرت  " الدّابة " في اليمن فزلزلت زلزالها. و صفائح النار احتكّت في الخليج فاشتعلت فدكّت الشّام فابتلعت منه ما ابتلعت.     و من " المتوسط " ثارت براكين فأحرقت ما جاورها و دمّرت. و الصحراء سَاءَ مَطَرُهَا . ومنهم من يقول : " بل ظهر المسيح في القدس و انه قد أحيا كل أموات العرب الصّالحين يُحارِبُ بهم الفاسدين في كلّ أرض عَربيّة. و منهم من أنطق اللّه لسانه ب:" إذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا مُترَفيها أن ...". و تراصّ النَّاس في "البقيع" و تعاركوا حول "الحجر" و فتح الرّبانيون كلّ الزوايا. و استنجد النّاس بحُفّاظ التمائم و الأذكار الصّوفيّة وتهافتوا على المنجّمين و المشعوذين، و راح الكلّ في هرج و مرج و كرب و إلتجؤوا من حيرة إلى محتارين إلاّ ذلك القائد الأعلى فقد كان مستبشرًا يقول:" سيصير ثمن الجمل الواحد بثمانين من جنسه، و البغل بستين و الحمار لا يهمّ بعشرين... و رغم اتّساعها و خلوّها و خلاّئها سوف يتحاربون فيها عليها    و لكن على ظهور البغال و الجمال و الحمير...".
و جاء رجل يسعى بلسانه لكنّه لا ينطق حرفا حَلْقيًّا يقول:" لقد عمل أهل الكفر و أفلحوا و قد اكتشفوها فَتقَاسَمُوهَا و رحلوا إليها. ترَكُوكم وحيدين في هذه و قد دمّروا كلّ ما انتجت عقولهم و عملت أيديهم... أليس عندكم ذلك في آخر سورة " الطّلاق ". 
فبهت الذّي آمن و الذي للعلم ترك أوْ به كفر.



  - أحمد بوقراعة -

















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية