« من أوراق الذاكرة »
إعداد وتقديم: أ. جمال الشمري
تنسيق وتوثيق: أ. سامية عبد السعيد
••••••••••••••••••••
أوراقنا اليوم كتبها أستاذ قدير في النقد وعموم فنون الأدب والفكر.
الأستاذ: المصطفى الصغوسي
غراس ذو شطء
***********
- البطل أخي
ذلك أمس ذلك اليوم رفرفة وزقزقة عندما أخبرني أخي أن مدرستهم كلفتهم بأن يحضروا معهم من إخوانهم من هم في سن التمدرس أو قريبون منه، وكانت صبيحة ذلك اليوم ميلادا.. اصطحبي إلى عالم ملأ ذهني عنه بحديثه الطفولي فتبدى لي عالما سحريا يفوق الوصف، أنا الطفل الهادئ الذي لم يكمل بعد سنواته الست.. قميص أبيض وسروال أسود، لونان سيحملان كل سمات شخصيتي في ما بعد، لم تكن المدرسة بعيدة عن منزلنا، لكن الإحساس بالزمان ذاك اليوم كان "انشتاينيا" متمططا فوق العادة، إلى درجة تحس معها أنه كلما خطوت نحو الأمام ابتعدت عن هدفك.. وعندما أشار أخي أخيرا إلى بناء مسور أمامنا قائلا: إنها مدرستي، مدرستك، مدرستنا، ازداد تمسكي بكفه بينما ظل هو يسير في ثبات الزعماء.. كان يكبرني بسنة واحدة جعلته بطلا في عيني، استطاع أن يتوغل بي وسط حشود أطفال وأمهات وبعض الآباء، وأن يسير بي بيقين نحو الحجرات الدراسية.. أدهشني أنه يعرف العديد من الأطفال، يصافحهم ويصافحونه ويتنادون بالأسماء .. رن جرس فتراكضوا نحو فصولهم، وتركونا نحن الجدد وسط الساحة نعيش الدهشة والترقب. بدأ فرزنا في مجموعات من ثلاثين تلميذا قبل أن يتم توجيهنا نحو حجرات دراسية يقف عند بابها مدرس أو مدرسة.. وكنت من نصيب الأستاذة فاطمة ( جازاها الله عني خير الجزاء حية كانت أو ميتة).
- البطل أستاذتي
تركت الأستاذة فاطمة في نفسي ذاك الانطباع الأول الجميل الذي يجعلك تفتح كل قنواتك الإحساسية لتتشرب من معرفتها وتنهل.. أما ثانية كانت. بعد نهاية الدوام الصباحي وجدت أخي ينتظرني غير بعيد عن حجرة الدرس، بادرني بالسؤال عمن كنت من نصيبه، أو كان من نصيبي من المدرسين، قلت له: اللا فاطمة ( لقب "اللا" عندنا في المغرب تطلق التشريق والتوقير وتعني "السيدة"، ويقابلها لقب "السي" لتشريف الذكور). ومضت عيناه فرحا وانطلق لسانه: أنت محظوظ أخي.. وضع يده فوق كتفي وسرنا عائدين نحو المنزل. في حصة من حصصها التمهيدية، بعد حصص الحروف الأبجدية، أذكر أنها سألتنا واحدا واحدا، ماذا تريد ان تكون في المستقبل؟ ودون تفكير مسبق أجبت: مثلك أستاذة فاطمة. ابتسمت وربتت على كتفي ومسحت على رأسي وانتقلت بين الصفوف تستمع إلى أجوبة الآخرين.. كان خطها جميلا، وصوتها هادئا، كتبت على السبورة سورة "العاديات"، قرأتها علينا مرتين وطلبت منا نقلها إلى دفاترنا، وحفظها عن ظهر قلب بمنازلنا..
وفعلا حفظتها عن ظهر قلب ووجدان، وبت أنتظر بزوغ شمس ذاك النهار لأفرح أستاذتي بإنجازي.. وكان تفاعلها طيبا كعادتها معي، أثنت على حفظي واستظهاري أمام أقراني، وطلبت مني أن أقف مكانها قرب السبورة وأتابع استظهار الأقران وأصوب لهم محفوظهم... أحسست مكاني فوق السحاب وبقيت هناك إلى يومه عاشقا للمكان والعطاء.
- البطل رفقتي
شخصية البطل تبنى وتصقل.. ولعلهم هم من جعلوني كذلك، من خلال نظرتهم إلي، وآمالهم في، كنت أتوسط حلقاتهم وأتلاقح مع أفكارهم وأغتني بتجاربهم وإخفاقاتهم كنت أعتبر نفسي امتدادا لهم وكانوا هم، امتدادا لي، كنا رغم فقرنا حالمين، وكانت أحلامنا مجنحة، كنا اسفنجات عطشى، ثقوبا سوداء تستزيد من الحرف والفكر.. درسنا الفلسفة والفكر الاسلامي وتاريخ الأديان، الفرق الاسلامية ومذاهب التصوف.. اختلفنا وتشاكسنا وناقضنا بعضنا وأنفسنا، تآلفت النفوس وتنافرت.. والتقينا عند حدود القصيد شربنا الراح مع امرئ القيس، وحملنا سيف عنترة وعشنا تسكع عروة الورد، وشمخنا شموخ المتني وأبي العلاء.. أذكر أنه، وأمام ثانوية أبي العباس السبتي، كانت هناك أرض خلاء محاطة بسور، عقدنا أولى جلساتنا الشعرية، متأثرين بما درسناه حينها من أشعار المعلقات ونقائض الفرزدق وجرير والأخطل، وعشنا ما يشبه أجواء سوق عكاظ: يأتي كل واحد منا بقصيدة هجاء ضد رفيق يرفع التحدي، وكان لكل متحد أنصاره ومريدوه يغدقون عليه من المديح والثناء ومن أكياس دنانير وهمية.. كان الهجاء أليما، وكانت قهقهات الأنصار مؤذية.. وكان القطاف وفيرا: شخصية تتحدى وتنافس، شخصية تعي حدودها وإمكاناتها..
ومع سيرورة الدراسة، سيختفي رفاق في زحمة الحياة وسيظهر آخرون، وسيزداد النهل من معين التنوع الفكري والايديولوجي الثوري والتحرري، ستتغير الرفقة والنظرة إلى الذات والآخر والمجتمع مرات ومرات.. وسيظل الحرف المأوى.
- البطل اسرتي
ببساطة، لأنني أرى فيهم امتداداتي في ما بين اللونين: بياض الورق وسواد الحبر.
*المصطفى الصغوسي / المغرب.
☆ حول الكاتب المصطفى الصغوسي
من مواليد مدينة مراكش .
أستاذ اللغة العربية وإطار إداري،
وضمن الطاقم الإداري لمؤسسة
(التفتح الفني والأدبي لصقل المواهب)
حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي (تخصص رواية)،
تابع دراساته في السلك الثالث شعبة النقد القديم،
سجل في سلك الدكتوراه وحدة خطاب العتبات والخطاب المقدماتي.
إجازة في الأدب العربي.
- تسجيل أطروحة الدكتوراه في الأدب العربي تخصص النقد الروائي.
- كاتب قصة قصيرة وقصة قصيرة جدا.
صدر له: - ديوان شعري تحت عنوان
" بحثا عن نصف الطيف الخفي" عن دار كتابات جديدة للنشر الإليكتروني.2015
- سلسلة كتب " المقامة المراكشية"،" المقامة الدقاقية" عن الدار الجديدة لنشر الإليكتروني 2016
- مؤلفات جماعية في أدب القصة والقصة القصيرة جدا:
- * ترانيم القصص / الجزء الأول والثاني، عن بيبلومانيا للنشر والتوزيع، برعاية مؤسسة الديوان وطن الضاد، مصر 2016- 2017
* نحت على جدار الورق، عن المبدعون للنشر والتوزيع، مصر 2016. * ما وراء الحرف، عن دار الميدان للنشر والتوزيع، مصر 2016 * * أصبح الصبح فلا...، عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع، مصر 2017، إعداد وتقديم أ خالد بريش.
* سنابل من حبر، ملتقى العرب، عن رابطة القصة القصيرة جدا في اليمن، المثقف للنشر والتوزيع، 2018
* حيوات ، عن الرابطة المغربية للقصة القصيرة جدا، مطبعة وراقة بلال، المغرب2019
* رصعة في خد السرد برعاية رابطة القصة في القصة القصيرة جدا في العراق وفي العالم العربي ، عن دار العرب للنشر والتوزيع 2020.
* متاريس صدئة، مجموعة قصصية للقصة القصيرة جدا، 2020 عن دار العرب للنشر والتوزيع مصر.
*- أجنحة من شمع، مجموعة قصصية للقصة القصيرة ’ عن دار العرب للنشر والتوزيع مصر (قيد الطبع).
- عضو في إدارة العديد من المجموعات الأدبية الإليكترونية، ولجان التحكيم.
- عضو في منظمات نقابية ومهنية وحقوقية. - حاصل على العديد من الجوائز التقديرية الأدبية.
