زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

" قراءة نقدية ثقافية " _ بقلم: الكاتبة والناقدة السورية/ كنانة حاتم عيسى _ في قصة « الكذبة السوداء » للقاصة الجزائرية / سامية فضيل عبد السعيد


 


" قراءة نقدية ثقافية


 بقلم: الكاتبة والناقدة السورية / كنانة حاتم عيسى


في نص « الكذبة السوداء »


 للقاصة الجزائرية / سامية فضيل عبد السعيد


••••••••••••••


" النص " 


« الكذبة السوداء »



هل تذكرين يا أمي ذلك المشهد؟ 

كلما لبست ثياب« فرح»، أثناء قراءة الورقة، كان  يجلس خلف السطور، محاولا تجاوز النقاط، والفواصل،

ليصبح أنا!

 كنت أسابق الأيام، كيف لا، و أنا بطل المسرحية؟

- صباح الخير يا أمي، هل قميصي الأبيض جاهز ؟ 

- دخلت قاعة العرض، كانت مبهرة،واسعة لا تتسع لعيني الصغيرتين، كان المشاركون يجهزون أنفسهم يقرؤون أدوارهم، يتلفتون بنزق وبلهفة، الكل متحمس ومبتهج

   تمتمت:

 لست المتأخر الوحيد... أين هو؟ 

 بدأت البروفة، بحضور أبطال العرض. 

 أبدأ العد ( واحد، اثنان، ثلاثة....) وهو ينظر إلى يدي،َّ أين ورقتك ؟

وقبل أن يتم العشرة، قاطعه صوت يرتجف، أستاذ لقد وقع انفجار قبل عدة دقائق، وأصيب « عماد »، لن يكتمل المشهد بغياب أحدنا سنؤجل العرض لعشرة ايام.

-خرج وهو يسأل عن مكان الانفجار... 

لقد وقع على الحدود عند العاشرة صباحاً،

 خرجت أجر معطفي، جلست على أرجوحة معلقة بشجرة التوت المقابلة لباب البيت، كان الجو بارداً نقياً وهادئًا، كلما مرت نسمة تأرجحت صورته في عيني تلك التي تبدو الآن غير واضحة، يلفها الضباب، والحزن

- بني هل ما سمعته صحيحٌ؟ 

  ارتجفت شفتاي، واختنق الكلام..قلت بصعوبة

 نعم لقد أصيب يا أمي... لماذا علينا انتظار العشرة؟!!

المشهد يتكرر يومياً....حتى رئيس المسرح اغتيل من خلف الستار والمسرح مستمر في تقديم العروض...لم الانتظار؟!! عشرةايام!! هذا...بزاف..بزاف...بزاااف.

_ قالت: وهي تعانقني 

 سيشفى وستقدم العرض..

 نظرت في عينيها وقلت:

 هل العشرة كفيلة بشفائه؟!! 

- أمسكت بيدي وراحت تجرني لداخل المنزل، وهي تعد الخطوات، بينما كنت أنا أعد الأيام والساعات، 

هذه آخر ليلة، وتكتمل العشرة، غفوت وأنا أعد... واحد، اثنان... 

بدأت الشمس تبدد الظلام، تنشر خصلات شعرها الذهبية على كتف الأرض، 

بدا المشهد مكتملًا دون عد ولا حتى بروفة

- هيا يا أمي لا أريد أن أتأخر، يجب أن أصل باكرًا، كان الجميع حاضرا

- قالها بحماس شديد: 

هيا يا فرح قف أمامه، 

 لنبدأ  العد، هل أنتم  جاهزون أيها الأطفال ؟ 

- بدأ المشهد، قلتها بصوت خافت.

 قبل أن يكتمل ، هبت عاصفة رملية غطت سماء المسرح، لملمت الشمس خيوطها المتدلية، حُجبت الرؤية، لم أتحرك من مكاني، كنت أردد: يجب أن أبقى بجانبه، كما هو مكتوب بالورقة، تعالت صيحات الجمهور، 

 لقد أصيب ... أصيب، لم أر شيئا،

أدركت حينها أن الشظية التي أخطأتني، كانت قد اخترقت صدره، كنا مجرد أرقام على المسرح، وصورا لحجب الحقيقة.

-ألا تذكرين يا أمي؟


_________


سامية فضيل عبد السعيد / الجزائر



« القراءة »


••••••


لغة الرمز ودلالاتها في نص (الكذبة السوداء)

في هذا النص المبتكر نرى الكاتبة قد ألمت بعناصر السرد وبنائه، و أحكمت إغلاق النص على مفاهيم استثنائية رمزية متطابقة لتتيح للقارئ النموذجي مهمة البحث والتقصي عن أحداث مغيبة في المجتمع الجزائري منذ  تسعينيات القرن الماضي رغم أنها ما زالت تجتر نفسها في مجتمعات الحروب الأهلية ومآسيها الموجعة، فأسقطت تماه الشخصيات الواقعية في قالب مبتكر لتخرج النص من همه السياسي الضمني  إلى تأويل حداثي  إنساني متجدد ومتغير ومتبدل، يسقط أمام قراءات عديدة يفرزها القارئ حسب ثقافته وتجربته وتحرره الداخلي.  فلغة الخطاب السردي  لغة حيادية  لاتنتصر إلا للإنسان المدني العالق في حياة مزقتها الحرب الداخلية حين لا يملك الوطن الجريح إلا أن يتكئ على نفسه في فوضى ضياع القيم وتهتك المعايير وعفوية القتل الهمجي التي لا تنتهي وكما ورد في النص 

 غفوت وأنا أعد... واحد، اثنان،.... 

خلقت الكاتبة  عالمًا سرياليًا رمزيا من منظور طفل يتوق  للعب دوره في المسرحية (المجتمع المحاصر بالصراع) ،  يتوق لخلق نسخة جديدة من( الحياة. المسحوقة بالإرهاب و التفجيرات المتواصلة)و  التي ستسقط أمام معادلة  واحدة  وهي أنَّ الأبرياء والأطفال، أصحاب الأمل  وصانعو المستقبل هم من يدفعون ثمن صراعات السلطة. 

دائمًا

يبدأ الاستهلال بسؤال  تدب فيه اللهفة، الطفل الذي يرغب بتمثيل دوره على خشبة المسرح يرى في شخصيته المسرحية انطلاقًا جديدًا،فيلجأ لأمه الوادعة المتأملة بصمت والتي تعده دائمَا بان كل شيء سيكون على ما يرام والتي تستمر بتشجيعه و نرى قاعة العرض التي يتأهب فيها كل ممثلوها لتظهر فيها طاقة التجدد والاحتدام الخلاق ، ثم يخلق التأزم (الانفجارات) الصراع الداخلي لدى نفسية الطفل الذي ينتظر مرور (العشرة) فهو يستمر بالعد على أصابعه منتظرًا  تلك المرحلة القاسية من الموت العشوائي والدمار والخراب والفوضى بالتلاشي إلى غير رجعة. 

ليبدأ تقمص الحياة من جديد في شخصية (فرح)، الشخصية الارتجالية المسرحية التي لن تحقق في فضاء هذا السرد، وكما ورد في النص :

هل العشرة كفيلة بشفائه؟! 


هل سيقدر الوطن على التعافي من صراع القمع الدموي والإرهاب والقتل العشوائي؟ 


نجد أن الكاتبة قد استخدمت الرمز  ببراعة سلسلة حيث ربطت دلالات النص وأنساقه من خلال شخصياته  بالسرد خلال رموز  مغلقة تفتح أمام موسوعية القارئ. 

الطفل السارد: رمز لحلم الحياةالشرعي

شخصية فرح الافتراضية المسرحية هي الواقع البديل المرجو

الوطن  الجريح : عماد

الأم؛  الُلحمة الوطنية

رئيس المسرح: هو  رمز السلطة الشرعية

رقم عشرة:الذي يتكرر مرارًا هو رمز مرحلة الصراع الدموي (العشرية السوداء)  التي قضى فيها الكثير من من الأبرياء والمثقفين والصحفيين وأصحاب العقول. والفكر.  خلال الاغتيالات الممنهجة والفوضوية

العاصفة الرملية : رمز استمرارية قوى الظلم الغاشمة التي اتخذت شكلًا مختلفًا من التعتيم ومصادرة الرأي


تنزلق رتابة رصينة في لغة السرد ،وينساب المشهد بجمالية يستشعرها القارئ، ،فالعرض المسرحي سيبدأ  لكن عاصفة رملية تطغى حاملة مذاق الموت لشخصية (فرح) الراديكالية التي تحمل التغيير  بواقع أفضل، وكأن رحلة التعافي الحقيقية لن تبدأ إلا بمواجهة الحقيقة

وتحقيق مشروع الوحدة الوطنية الذي سيبرر شرعية السلطة   وكيانها في العلن

كم انكفأت أوطان على ذاتها في حروبها الداخلية ضد إيديولوجيات  ظالمة و واهمة، كم من أبرياء غيبتهم المجازر الجماعية والقتل العشوائي وغياب الأمن؟

تقول لنا الكاتبة أن المجتمعات التي ستلعق جروحها  وتنهض رغم آلامها هي التي ستتدارك حجم خسائرها وتدرك ان بداية التطهر لا بد أن تكون من خلال كشف الحجب ومواجهة الحقائق.  من خلال مواجهة (الكذبة السوداء).

إبداع متفرد أستاذة سامية



••••••••••••••


« كنانة حاتم عيسى  »




















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية