استيقظت مبكراً، وكأن شيئًا لم يحدث يومها.
وأن تلك الشهور المنصرمة، قد مرت كغيمة سوداء لم يحن بعد وقت أمطارها.
ارتشفت فنجان قهوتي مع ابتسامة صامتة وأنا أنظر إلى الفراغ، فانتصاري لم يكن سوى بسبب استسلامه الصامت.
بذات الأبتسامة، فتحت خزانتي التي كنت قد هجرتها منذ تلك الأيام المشؤومة، ثم ارتديت فستاني البرتقالي ذا الحزام الأبيض، أحببت أن أكون كزهرة ربيعية كي لا تخور حيويتي في هذا الصباح الزاهي، جدلت شعري فلا يستطيع أن يثور عليّ حين يلاقي القليل المتبقي من نسائم الغروب.
فتحت بابي للخروج، لكن لم أكن أعلم إلى أين ستكون وجهتي. فقط أريد أن ألملم صور الأرصفة التي اشتقت إليها، ورائحة الطين المتدثرة بين زوايا البنايات العتيقة.
أسير وأسير بلا هدى، في أزقة خان الخليلي صادفني أحد رسامين "البورتريهات" وبقربه يافطة خط عليها الآتي:
(أنا لا أرسمك من الخارج بل أرسم ما بداخلك)
عجية هذه العبارة!
أثارت انتباهي نحوها، فوجدتني أسير إليه وكأن شيئًا يشدني إليه في طواعية.
القيت عليه التحية، ثم وضعت ما جادت به يديّ على طاولته.
الغريب أنه كرسام متجول لم يعر النقود أيّ اهتمام، غلب على مظهره التصوف والزهد.
نظر إليّ مطولاً دون أي ملامح.
فسألني عن اسمي!
عن لوني المفضل!
عن وظيفتي!
ثم طلب مني فك جدائلي، وأن أبتسم مسترخية على أحد الكراسي الخشبية أمامه.
فعلت ما طلبه مني دون نقصان، بل وزدت عليه أن رفعت ذقني عالياً كما يفعلون في الأفلام.
بدأت يده الممسكة بالقلم تتحرك، وهو يتابعني ويسترق إليّ نظرة مهذبة كلما توقفت يده عن الحراك.
ثم سألني من خلف أوراقه:
من الذي جرحك هكذا؟
تراجعت في جلستي، وكأن ملامحي تغيرت فجأة، وارتفعت حرارة وجنتيّ خجلاً وغضباً، لكن نفيت انكساري وحزني، وبدأت أتحدث عن صفاء الجو وجماله، عن تغير الخان تارة وعن السياح تارة، وكلما استرسلت في الحديث، أشار إليّ بكفه أن أرفع ذقني مجدداً، وكأن كلامي لم يمسس في مشاعره شيئا، ثم شد ركني فمه مشيراً إليّ أن أبتسم.
فابتسمت! لكن دمعة هاربة فضحتني، ومع بعض النسائم التي هبت محركة خصال من شعري، كان المشهد درامي بجدارة. استجمعت أنفاسي ثم اعتدلت مبتسمة كما وعدتني هذا الصباح.
لن أخسرني مجدداً، هكذا همست لنفسي.
نظر إليّ مطولاً ويده تتحرك يمينًا ويسارًا، فبدا لي بأنه في صدد الانتهاء من الرسم، حتى أني من شغفي نسيت ألمي وبدأت أترقب صورتي تلك التي ستُظهر داخلي.
كنت قلقة!
وكلما برى قلمه ازددت اضطراباً.
حقا راودني الخوف لوهلة من أن تظهر الدموع على هذه اللوحة، أو أن تنزف أركانها كما أركان قلبي.
فوجدته يقول لي!
هل سيعود؟
فأجبته بلا تردد: حين يعود لن أكون في استقباله.
سأكون قد جاورت شمس الصباح في اشراقها، ورائحتها التي تفوح بالياسمين والريحان.
لن أغادر نفسي مجدادا، ولن أشتاق لحيويتي بعد هذا اليوم أبداً.
لن أستجدي الحب من قلب أصم وأعمى.
وضع قلمه!
نظر إليّ مبتسماً مستأذناً مني ليجيب عن سؤال زبونا آخر، فنظرت سريعا عن شماله لأرى صورتي التي رسمها، فلم أجد سوى صفحة بيضاء!
التفت إليّ وقال أنه انتهى في برود تام، ومن خلال خيبتي أتى صوته يطلب مني أن أفتح كفي، ليضع فيه زهرة أرجوانية مجففة.
أ زهرتي! كنت أميز بها رسائلي إليه هو.
تباً له هذا ال هو!
لم ينسحب!
بل سرق كلماتي، وتركتي في خرسٍ ذابلة.
الكاتبة: مي عبد الحميد/السودان
