« زمن الخيول البيضاء »
"إبراهيم نصر الله"
عدد الصفحات 506
هناك كُتب يجب عليك أن تضعها بأعلى رف سوا كان بمكتبك أو بقلبك وهذا ما يجب عليك فعله في هذه الرائعة .
في حين أن هناك نكبة أخرى تلوح في الأفاق وعدوان سافر أدمى القلب وخدش الروح بدأتُ أنا بقراءة هذه الملحمة فتضاعف الوجع وكبُر القهر لم يلتئم الجرح وما زال الملح يُرش عليه وأنت فقط تُشاهد.
الرواية خلاصة عشرون عاماً من العمل، هي الثانية من الملهاة الفلسطينية وقد واكبت ثلاثة عصور زمنية مختلفة، بدأت بأواخر الدولة العثمانية مروراً بالإنتداب البريطاني وانتهت بالنكبة وتسليم فلسطين للكيان الصــhـيوني، حصرت بين دفتيها الكثير من الأحداث بالعديد من الرمزيات الخلابة التي ترمز إلى زمن نحلم به جميعاً زمن نسكن فيه بـ "الهادية" ليغمرنا الكثير من السلام والتكاتف والحب نتسامر بالمضيافة لنحتسي قهوة حمدان ويطربنا دق مهباشه، وننشد الأهازيج بالأفراح، نجوب حقول الزيتون والقمح فنقطف من تلك ونحصد الأخرى، نحب الخيل حُبنا لأعيُننا، فالخيل شرفها من شرفك تلك الخيل التي كان لها حضور طاغ في الفصلين الأول والثاني والتي أسميت بـ"الحمامة" حمامة من نسل فضة.
يقول نصر الله "لقد خلق الله الحصان من الريح، والإنسان من التراب، والبيوت من البشر" ومن هنا جاءت عناوين الفصول الثلاثة للكتاب (الريح، التراب، البشر).
في قرية واحدة وعلى إمتداد ثلاثة أجيال تدور أحادث الرواية
الفصل الأول جاء مُبهج ودافئ ففيه شرح نصر الله العادات والتقاليد الفلسطينية المُتبعة من عز ونخوة وإرتباط بالأرض والتراب، كان هناك مساحة للحب، بطلنا فيها هو " خالد محمود" الفارس الثائر الذي سطر أجمل البطولات وأصبح أسطورة يحترمه العدو قبل الصديق فقد حارب الأتراك ومن ثم الإنجليز دفاعاً عن قريته الهادية _وهي رمزية لفلسطين_ وخالد أبلغ رمزية للفارس الفلسطيني الحُر.
بهدوء وسلاسة يمضي بنا نصر الله فنشهد بطولات خالد محمود، إنتقال الزعامة لأخيه سالم وراثة إبنه ناجي الشجاعة والقتال، وإنجراف محمود نحو الفكر والرومنسية، يسلط الضوء على الخونة فيمثلهم بجامع الضرائب ذلك الطاغية "الهباب"، وهناك وجود للمرأة الفلسطينية كالريحانة والعزيزة، يُشير إلى سبب ضياع الأرض ويكذب الأحاديث المغلوطة بأن الفلسطينيون باعو أرضهم ليوضح أنهم لم يسجلوها بأسمائهم خشية الضرائب العثمانية الباهضة، يسجل بطش الإنجليز ودعمهم لليهود، بناء أول مستوطنة لليهود، الصراع بين المقاومة والكيان، فشل جيش الإنقاذ والتهاون بل وخيانتهم للهادية لتنتهي الملحمة بالتهجير القسري
وفي آخر مشهد تحت نظر العزيزة المُهجرة طارت إحدى الحمام وهي مشتعلة الجناحين بعد حرق المنزل مشهد لم أفهم منه سوا أن السلام مع ذلك الكيان مُحال أُحرقت الحمامة وأحرقت معها كرم الزيتون لنقول ما أخذ بالقوة لن يعود إلا بها.
أما عن تأملنا في العرب فقد أخرسني نصر الله بقوله :
"...فاجأوا الناس نائمين، وكنا نعتقد أننا في حماية جيش الإنقاذ، ولكن الحق علينا ياعمي، فنحن ننسى، الله كم ننسى، ياعيبنا كم ننسى، كيف نسينا أنهم خدعونا عام ال 36، كيف؟ كيف ننسى؟!! أرسلوا لنا جيوشا صنعها الإنجليز ويقودها الإنجليز لتُقاتل الإنجليزَ واليهودَ الذين يحميهم الإنجليز، كيف صدَّقنا؟"
وكوصية أخيرة:
"أنا لا اقاتل كي انتصر بل كي لا يضيع حقي لم يحدث ان ظلت امة منتصرة الى الابد، أنا أخاف شيئا واحدا ان ننكسر الى الابد لان الذي ينكسر الى الابد لا يمكن ان ينهض ثانية قل لهم احرصوا على ألا تهزموا الى الابد."
رواية مليئة بالاحداث فيها تضحك ويسقط دمعك، تذوق المرار بلسانك وتعجز عن بلع غصتك، ذات حبكة روائية مُبهرة سلاسة في السرد تشويق يخطف الأنفاس وبذات الوقت هدوء وكأنك هناك، هي حقاً ملحمة تفنن إبراهيم في سردها.
•••••••••
زبيده الحميري
