« قراءة انطباعية » لقصة « إدمان » للقاص: هادي المياح
بقلم: هناء العامري
••••••
القصة جدارية سردية تبدأ بقرار التخلي وتنتهي بقرار العودة بعد أن تفرعت الأفكار وتشابكت الزخارف وهذا يعني أنها رسمت بمهارة عالية.
قصة مكتملة الأركان، القاص له بصمة مميزة في الأدب النفسي والاجتماعي وهذا ما أكدته الكثير من سردياته كما في قصص ( ماسح زجاج السيارة، الاعتذار الاخير، وأخيرا إتصلت به، وغيرها)
وعند الوقوف على العنوان كأول عتبة وأهمها نجده منسجمًا مع روح النص وفكرته و مع مجريات الأحداث في حبكة حداثوية.
تسلّح النص بمتانة بنيته النصية و الحكائية
فهو لم يفصح عن نفسه بسهولة ، رافضا البوح بأسراره، بل إنه مارس الغواية واسدل الستار على الممنوع والمحرم والمسكوت عنه.
تناول الكاتب موضوعا مهما في سرده يتعلق بمجتمعه المضطرب بما يعانيه من اعتلال فلا يظهر فيه القابض على السلطة أي اعتبار للصواب أو الخطأ ويتجاهل حقوق الآخرين ومشاعرهم. صاغ احداث قصته بنكهة اجتماعية محببة وهو ظاهر النص ، أما دغدغة اللاوعي فكان تأثيره اقوى وهذا هو المضمر المسكوت عنه.. وهنا يأتي دور النقد والقراءات والتعليقات في سبر غور القصة، فهي التي تفكك وتحفر وتنقب في الأخاديد المضمرة والمنسية والمخفية.
قيمة النص ليس بشكله الجمالي من حيث مظاهر البلاغة والبناء فقط بل وبما يرسمه من وجع وتناقض، من ظواهر اجتماعية و سياسية و نفسية يعاني منها الفرد والجماعة فهي تنتقل من جيل الى أخر عن طريق التكرار والممارسة بشكل لا شعوري.
وعند متابعة سير القصة بإمكاننا أن نقف عند الإشارات الآتية التي تشكل دوافع كتابته واستنباط فكرته من وجهة نظري:
الإشارة السياسية
أن الواقع السياسي لأي مجتمع هو الذي يدفع باتجاه تقرير الحقوق وترتيب الالتزامات، فعندما تتمتع الأقليات بنفس حقوق الأغلبية،في ممارسة حياتها فلن يكون هناك من داع لتشريعات طارئة تنغص على الآخرين.
الإشارة الدينية؛
اخذت الاشارة الدينية الوِقْع الفاعل حيث يظهر فيه الداعية -الذي يمثل تلك الجماعات المتطرفة- يظهر بوجهه الآخر. خاصة في فترة هيمنة تلك الجماعات المتطرفة التي تهدد وترعب وتهجر كل من يختلف معها، وخصوصا الاقليات التي تعد مثل هكذا ممارسات اضطهاداً لهم في ممارسة حقهم الطبيعي في الحياة والعيش بما يتوافق مع معتقداتهم ومذاهبهم .
إشارة اجتماعية نفسية؛
يتوجه تفكير الإنسان الذي حرم من متعة معينة إلى التفكير بالبديل عنها(جهاز التقطير، وشراب مضاد للسعال) وهذا ما حصل للشخصية المحورية في النص، ما أدى الى انعزاله عن الحياة والعلاقات الاجتماعية عدا ما يخدم حاجته الملحة، مما نتج وينتج في النهاية شخصية انطوائية قلقة مصابة بأمراض نفسية وبدنية.
إشارة جمالية
ولا بد من الإشارة إلى قدرة الكاتب وتمكنه من توظيف الثنائيات الضدية ودورها في الاقناع والتأثير على القارئ،
* كان يشرب الخمر في الأماكن العامة والحدائق/صار يحتسي البديل بعيدا عن الأنظار في غرفة معزولة
* *كان يشعر بالنشوة والراحة النفسية/ صيرت البدائل مزاجه سيئا، هلاوس واضطرابات
* يلغي كل علاقاته السابقة/ يؤسس لعلاقة مع أحدهم
* يتردد على الصيدليات مرفوع الهامة/ يذهب لمحال بيع المشروبات متخفيا تحت جنح الظلام.
ينتهي النص بتمرد. نهاية تلقائية غير متكلفة او مفتعلة. انبعثت من وعي الشخصية بشكل حتمي فكانت تتويج جميل لاستكمال وخلق الدهشة للنص بغض النظر عن التنقيب في مشروعية أو عدم مشروعية القرار. فكان قرار العودة بعدم التخلي هو استكمالا لدورة النص اللولبية ..حول ثوابت الشخصية التي أنتجت نمط حياته وسلوكه الجديد. النهاية أتت بمخرجٍ سريع لازمة الشخصية وما لحقه من توتر وحولته الى استرخاء وهي بذلك حققت التركيبة الديناميكية المعهودة للقصة القصيرة.
ولكن هنالك سؤال يطرح نفسه:
هل النتيجة الاخيرة نابعة من شجاعة الشخصية البطل في القصة أم هي رؤية القاص لانبعاث حقيقة ما أو للاثارة والتنوير !
القصة:
« إِدْمان »
بعدما تخلّى"س" عن شرب الخمر،لجأ إلى شراب التوسيرام كبديل له. فقد شهدت الفترة الاخيرة توعية يومية من قبل بعض الملل أو النحل المتشددة، في التحذير منه وانزال اقسى العقوبات بمن يتعاطاه.
كان يحسب أن ما فعله قفزة نوعية، وعمل شجاع لم يأت على بال أحد مثله من شاربي الخمر. وما زاده حفاوة بالفكرة، أن شراب التوسيرام غير مشمول بتلك التوعية، فما هو إلا واحدًا من العلاجات المضادة للسعال.
في صحوته الاخيرة، كان (س) على دراية تامة بالبديل، بما فيه: كميته، كلفته، ووصفته السحرية. وانه يدرك ما كان يوفر له جهاز التقطير الذي صنعه بيديه في منزله، في مكان اختاره بعيداً عن الأنظار ، غرفة معزولة بالطابق العلوي. كان يعد الأيام، وينتظر ببالغ الصبر اكتمال تخمّر المكونات وبوادر ظهور أول وجبة لمنتجه المحلي..يتذكر كيف كان يتابع بغبطة القطرات المتساقطة وهي تلاحق بعضها وتتجمع في الإناء بالاسفل. كان الإدمان يضرب كل مناحي جسده، حتى أنه غالبًا ما يستقبل تلك القطرات براحة يده و يرتشفها قبل أن تصل الى الإناء. لكنه حين تجرأ وحطّم الجهاز ، حطّمه دون أن يشعر بالندم.
ليومين متتاليين، شَغلهُ موضوع توفير العلب بشكل دائم. خاصة انه يأمل أن يصل إلى حالة إنعاش لا بأس بها، ريثما يستقر جسده ويعود إلى طبيعته. وكان سعيدًا لمجرد التفكير في هذا البديل، حتى لو حقق نصف ما يجنيه في جلساته المعتادة حين يحتسي الخمر في نادٍ أو حديقة عامة.
يتساءل: لماذا أهدر كل هذا المال والوقت في سهرات انهضْ بعدها منهكًا وقد طارتْ مني لذة الانتعاش كما تطير الأوراق النقدية من جيوبي؟
وجد أن ما توصّل إليه صحيحاً ومقنعًا. فهو ليس بحاجة إلى فقدان الكثير من الأموال والسمعة.. وإن خمس علب كافية لإنعاش حظّه العاثر..خمس علب يشربها مرة واحدة .. خمس علب دواء شبه رسمي غير محظور، يعيد إليه اناقته وخفّة دمه .
بسبب ذلك، أخذ يتردد على الصيدليات، مرفوع الهامة، لا يعبأ بأي أحد يراه أو يقابله. على العكس من ذلك، حين كان يذهب لمحال بيع المشروبات الكحولية ، وهو متخفٍ تحت جنح الظلام.
لطمعه وحماسه، فكر بمحاولة تزوير الوصفات الطبية، وكان في كل مرة يقنع نفسه:
"أنا لم أسرق، لم أكذب، ولن أخرق احدى الوصايا العشر"
وجد هذا التبرير معقولاً رغم أنه يدرك في الوقت نفسه بأنه لا يختلف عن داعية ما حين ينسى الرب ويسخّر الأحكام لصالحه. ومن دون أن يشعر، انخرط في عملية التزوير كوسيلة سهلة للحصول على العلب من دون اللجوء لمراجعة طبيب. وقد نجح فعلاً في ذلك.
الآن صار يستطيع أن يؤسس لعلاقة مع أحدهم، تلغي كل علاقاته السابقة. ليحظَ، على اقل تقدير، بمن يزوّده دون جهد بما يحتاج من علبٍ. لكنه لم يوفق بذلك وقوبل بالرفض. الا ان هذا الرفض لم يصمد أمام اغراءاته، وتحققَ له -في النهاية- ما يريد وما يسدّ احتياجه.
لكن تعاطي العلب -بمرور الزمن- جرجره دون أن يدري للإدمان عليها.. حتى أصبح مزاجه سيئًا للغاية. و انتابته فجأة هلاوس واضطرابات. نصحه بعض المقربين إليه أن يترك تلك العلب الجنونية. علب المركبات والمكونات الكيميائية ..
ولم يتوان (س)عن تركها..تركها في الحال، وامتنع عن ارتياد أية صيدلية كان يتعامل معها ، تجنبًا من العودة إلى تلك العلب .. فقد أدرك عن قناعة،كم انّها سيئة. وتركها كما احبّها أول مّرة ..لكنه عاد لاحتساء الخمر!