تحليل
وقراءة في القصة القصيرة "كل الفضاء" للكاتب محمد كمال سالم
بقلم الأستاذ
القدير محسن الطوخي
سعدت
لوقوعي على قصة قصيرة تتوفر فيها اشتراطات القص، وتنجو من آفة القص الرئيسية وهي
التقرير، والمباشرة. صحيح أنها تاخمت التقرير ببعض العبارات الشارحة، التي لجأ
إليها الكاتب - فيما أظن - لترسيخ وتأكيد الفكرة، فأثقلت النص وكادت تصيبه
بالترهل. مثل - اعتملت برأس الشاب فكرة اقتناء العصفور ... الخ . - فيقول : هاأنا قد أصبحت سجانا . سأحررك عندما يطلقون سراحي، لا تنظر الي هكذا ...
الخ. -تجاهلت محنتك، وأشركتك محنتي في غرور ، سامحني. -وكانه وقد أصبح القفص والزنزانة للسجينين الصغيين
هما كل الفضاء. * توفرت في القصة كافة خصائص القص. وأركانه. فهي
تضمنت تيمة او موضوعا يدور حول فكرة الحرية. ولطالما استخدم القصاصون الطائر، أو
العصفور كمعادل للحرية، إلا أن الحبكة في القصة تميزت بالجدة، فقد صنع الكاتب
صورتين متوازيتين، صورة الشاب السجين، مقابل صورة العصفور الحبيس. ومايجمع بينهما
هو أنهما تعرضا للحبس دون مبرر، لم يرتكب أي منهما جرما سوي ممارسة ماأتيح له من
حرية. والخاتمة تطرح ببراعة وفنية الفكرة الكامنة في
عقل الكاتب، وهي الأثر المرير للقمع الذي تمارسة السلطة الجائرة. فالسجن لم يقتطع
فقط فترة زمنية من عمر السجين، بل شوهه نفسيا، وقمع فكرة الثورة والتمرد في داخله.
رأينا ذلك في مشهد العصفور الذي لا يستطيع تجاوز ارتفاع القفص او محيطه حتى بعد أن
تحرر منه. يمثل حال العصفور معادلا موضوعيا للتجربة الإنسانية التي تتصف
بالشمولية، فحال الفتى لحظة واتته فرصة التحرر من سجنه يمكن إسقاطها على الإنسان
بعمومه، والمحبس المادي يمكن تعميمه على أشكال السجن المتعددة، فمن السجن ماهو
معنوي، كأن يصير الشخص أسير فكرة، أو معتقد. تلك الشموليه هي مارفع قيمة النص على
المستوى الفني، وجعله مفتوحا على العديد من التأويلات. نجح النص إذن في تقديم التجربة الإنسانية بصورة فنية تخلق
القيمة خلقا في نفس القارىء عن طريق المژج بين الصورتين المتوازيتين إذ تبزغ
الفكرة في اللحظة التي تلتقي فيها الصورتان في الخاتمة. الملاحظات: بالإضافة إلى ماتقدم حول العبارات الشارحة، أرى ان
إدارة السرد بضمير الغائب على لسان راو خارجي كان أقل توفيقا. فلو استخدم ضمير
المتكلم بلسان الفتى صاحب التجربة لأمكن النفاذ بصورة أكثر تأثيرا إلى عمق أثر
التجربة على السجين. ولأمكن الاستغناء ببساطة عن العبارات الزائدة الشارحة . أيضا كان في الإمكان معالجة زمن السرد الممتد
بتحاشي السرد الخطي الذي يتبع تسلسل وقوع الأحداث. بأن يبدأ القاص من اليوم الأخير
للسجن قبيل حادثة الاقتحام، ثم يستدعي الأحداث الأبعد زمنيا عن طريق الاسترجاع. اللغة: لغة جيدة، ومعبرة، ومناسبة للتجربة القصصية،
ولسمات الشخصية. ملاحظات اللغة: - صياغة معيبة في جملة الاستهلال " لم يكن
يدري الشاب الصغير. .. الخ
". - ازدواج
علامة التعجب ( خطأ شائع ) - الحصاء، صحتها: الحصي، مفردها حصاة. - " العصفور ينزوي مهزوما" الجملة فعلية في
الأصل في العربية، لا تبدا بالاسم إلا لغاية، الصحيح " ينزوي العصفور ". - الإفراط في استخدام واو العطف. يسميها يحي حقي
رحمه الله " الوأوأة " وهي من عيوب السرد. - غياب كثير من الفاصلات. قصة جيدة لا تحتاج إلا بعض المعالجة لتصير في صورة أفضل. تحياتي للكاتب. وللقائمين على إدارة الجروب.
*****************************************************************
«كُــــل الفضـــــاء»
لم يكن يدري الشاب الصغير ابن التاسعة عشر عاماً لم زُج به فى هذه الزنزانة الصغيرة منفرداً !!
يستغيثُ يصرخُ : أخرجوني يهتف لمَ أنا هنا ؟! لم أفعل شيئاً !!
لم يجد لصراخه صدى سوى غلظةِ السجان وقسوةِ الزنزانة، يتمتمُ في حيرةٍ : كنت فى طريقي لأصحابي ولا شأن لي والسياسة
يدفع إليه الحارس طعامه الرديء والذي ارتضاه بعدَ حين.
ينكفئ كلَ ليلةٍ تحتَ نافذةِ محبسه الباردِ يترقبُ تسللَ ضوءِ النهارِ من خلالِ قضبانها المتشابكةِ يستجدي غفوةً ويلتمسُ ساعةً واحدةً من ليالٍ طويلةٍ نامها قريرَ العينِ فى بيتهم.
ومع كل أولِ ضوءٍ يأتيِه على نافذتِه عصفورٌ جميلٌ فى زرقةِ السماء، يغردُ ويلتقطُ الحصاءَ المتناثرةَ حولَ قضبانهِا، وأصبح ينتظره ، وما كان يخلفه ، وكلما أتاه حاول أن يقتربَ منه فيطير بعيدًا فيحزن ، وتمنى لو بقي عنده هذا العصفور واعتملت برأس الشاب فكرة اقتناءِ العصفورِ فيحتالُ حيلَ الصغار ويدبرُ قفصًا ويفخخُ للعصفور ليلًا ويقبضُ عليه صباحًا ، وزَج به فى القفص منفرداً .
وراح يراقبُ صدمةَ سجينه الصغير وهو يحاولُ أن يطيرَ وفى كل مرةٍ يرتطمُ بقضبانِ القفصِ الحديدية ويهوي إلى قاعدته ، فيقول: ها أنا قد أصبحتُ سجانًا وفى اللحظةِ ذاتها يدفع السجانُ بابَ الزنزانة ويلقي للشابِ طعامه ويقول له ساخراً :هه هه أصبحت سجانًا أيضا أيها الصغيرُ
ينظرُ الشابُ للعصفور قائلا : أسمعته ؟!
سأحررك عندما يطلقون سراحي ، لا تنظر إلي هكذا ! أنا أيضا لم أفعل
شيئًا ، هتافً واحد ألقى بي هنا ! هتاف هتفت به الجماهير المحتشدة توغل إلى نفسي وهاجتْ له مشاعري ،فهتفته معهم ،
ليتكَ كنتَ هناك ،وهم يقبضون على مرافقي ويضربون ويقولون :هل تهتفون وتتظاهرون ؟!
علام تهتفون ؟! أنتم تتكاثرون ، وتأكلون عيش عيش ألا تشبعون ؟!
أتراهم أيها العصفور لا يعرفون أن أبي يكدّ ليلَ نهارَ من أجل رغيفهم هذا ؟!
يحاول العصفور الفرار من القفص فيرتطم بقضبانه الجريدية ويهوي إلى قاعه
تراه أين يبحث عني الآن ؟! أبي يضعُ فى كفي كلَ صباحٍ يسيرَ قروشه ومازال يلقنني
"استقم كما أُمرت ".وأمي لهف قلبي للهفتها على ما بالها الآن ؟! وهي التي لا تغفو حتى تدثرنا أنا وإخوتي ،تلوك كلَ يوم الكفاف ..ولكنها تصب الأحلام والأماني الطيبة فى أواني طعامنا.
يصيح العصفور غاضبًا لا يأبه لكلام الشاب ويحاول أن يطير فينتهي إلى ما انتهى إليه فى كل مرة.
يسكن العراك بين العصفور والشاب الذي وجد أخيرًا ما يسرّي عنه ، فراح يدبر للعصفور إناء سقايته ، يوفر له بعضا من طعامه الرديء الذى ارتضاه العصفور بعد حين.
وتمر الأيام وتكثر حتى صارت أسابيع ،يذبل العصفور ويتجاهل الشاب ويؤثر صحبته على أن يطلقه . الأسابيع كثرت وصارت أشهرا ، ويرى العصفور الشاب ذابلاَ وهو لا يدري،
كان يظن أنه أمر عارض ولابد أنهم سيعلمون أنه مجرد فتى يجب أن يعود لبيته.
العصفور ينزوي مهزومًا فى قفصه ، والشاب ينكفئ أسفلَ النافذة
يرقبُ.. آخر شعاع للشمس ينسحبَ خلال قضبانها،
ومع آخر ضوءٍ يقتربُ من عصفوره السجين قائلا ً طال الوقت رفيقي وأصبحت لا تغرد ، تجاهلتْ محنتك واشركتكَ محنتي فى غرورٍ ، سامحني ،
فى الصباح ..أطلقُ سراحك.
وفى الصباح
صخبٌ وضجيجٌ كبيران ،طلقاتٌ ناريةٌ كثيفةٌ تدوي فى كل اتجاه ، صياح وصراخ يأتي من كل صوب ، الشاب يثب وثبات متتالية محاولاً أن يستطلعَ الأمر من خلال النافذة يُصدم باب زنزانته بعنف ثم يُفتح بكامله، يناديه:
اهرب أيها السجين!
يرتبك الشاب لا يدري ماذا يفعل، يهرولُ نحوَ باب الزنزانة. يعودُ مسرعًا حيث العصفور يحرره قائلاً : اهرب أيها السجين ، ويهرول ثانية تجاه الباب ، يلقي نظرة أخيرة على العصفور فيجده كلما حاول الطيران طار حتى ارتفاع القفص الذى قد تحرر منه ويهوي إلى الأرض ،ثم يجد مرة أخرى فى الطيران فلا يتجاوز مثل محيطه وينتهي إلى الأرض ، يضطرب الشاب ، يدور حول العصفور حائرا يحاول أن يتجاوزَ باب محبسه فلا يستطيع ، وكأنه وقد أصبح القفص والزنزانة للسجينين الصغيرين هما،،،
كُـل الفضـــاء.
#تمت.
لم يكن يدري الشاب الصغير ابن التاسعة عشر عاماً لم زُج به فى هذه الزنزانة الصغيرة منفرداً !!
يستغيثُ يصرخُ : أخرجوني يهتف لمَ أنا هنا ؟! لم أفعل شيئاً !!
لم يجد لصراخه صدى سوى غلظةِ السجان وقسوةِ الزنزانة، يتمتمُ في حيرةٍ : كنت فى طريقي لأصحابي ولا شأن لي والسياسة
يدفع إليه الحارس طعامه الرديء والذي ارتضاه بعدَ حين.
ينكفئ كلَ ليلةٍ تحتَ نافذةِ محبسه الباردِ يترقبُ تسللَ ضوءِ النهارِ من خلالِ قضبانها المتشابكةِ يستجدي غفوةً ويلتمسُ ساعةً واحدةً من ليالٍ طويلةٍ نامها قريرَ العينِ فى بيتهم.
ومع كل أولِ ضوءٍ يأتيِه على نافذتِه عصفورٌ جميلٌ فى زرقةِ السماء، يغردُ ويلتقطُ الحصاءَ المتناثرةَ حولَ قضبانهِا، وأصبح ينتظره ، وما كان يخلفه ، وكلما أتاه حاول أن يقتربَ منه فيطير بعيدًا فيحزن ، وتمنى لو بقي عنده هذا العصفور واعتملت برأس الشاب فكرة اقتناءِ العصفورِ فيحتالُ حيلَ الصغار ويدبرُ قفصًا ويفخخُ للعصفور ليلًا ويقبضُ عليه صباحًا ، وزَج به فى القفص منفرداً .
وراح يراقبُ صدمةَ سجينه الصغير وهو يحاولُ أن يطيرَ وفى كل مرةٍ يرتطمُ بقضبانِ القفصِ الحديدية ويهوي إلى قاعدته ، فيقول: ها أنا قد أصبحتُ سجانًا وفى اللحظةِ ذاتها يدفع السجانُ بابَ الزنزانة ويلقي للشابِ طعامه ويقول له ساخراً :هه هه أصبحت سجانًا أيضا أيها الصغيرُ
ينظرُ الشابُ للعصفور قائلا : أسمعته ؟!
سأحررك عندما يطلقون سراحي ، لا تنظر إلي هكذا ! أنا أيضا لم أفعل
شيئًا ، هتافً واحد ألقى بي هنا ! هتاف هتفت به الجماهير المحتشدة توغل إلى نفسي وهاجتْ له مشاعري ،فهتفته معهم ،
ليتكَ كنتَ هناك ،وهم يقبضون على مرافقي ويضربون ويقولون :هل تهتفون وتتظاهرون ؟!
علام تهتفون ؟! أنتم تتكاثرون ، وتأكلون عيش عيش ألا تشبعون ؟!
أتراهم أيها العصفور لا يعرفون أن أبي يكدّ ليلَ نهارَ من أجل رغيفهم هذا ؟!
يحاول العصفور الفرار من القفص فيرتطم بقضبانه الجريدية ويهوي إلى قاعه
تراه أين يبحث عني الآن ؟! أبي يضعُ فى كفي كلَ صباحٍ يسيرَ قروشه ومازال يلقنني
"استقم كما أُمرت ".وأمي لهف قلبي للهفتها على ما بالها الآن ؟! وهي التي لا تغفو حتى تدثرنا أنا وإخوتي ،تلوك كلَ يوم الكفاف ..ولكنها تصب الأحلام والأماني الطيبة فى أواني طعامنا.
يصيح العصفور غاضبًا لا يأبه لكلام الشاب ويحاول أن يطير فينتهي إلى ما انتهى إليه فى كل مرة.
يسكن العراك بين العصفور والشاب الذي وجد أخيرًا ما يسرّي عنه ، فراح يدبر للعصفور إناء سقايته ، يوفر له بعضا من طعامه الرديء الذى ارتضاه العصفور بعد حين.
وتمر الأيام وتكثر حتى صارت أسابيع ،يذبل العصفور ويتجاهل الشاب ويؤثر صحبته على أن يطلقه . الأسابيع كثرت وصارت أشهرا ، ويرى العصفور الشاب ذابلاَ وهو لا يدري،
كان يظن أنه أمر عارض ولابد أنهم سيعلمون أنه مجرد فتى يجب أن يعود لبيته.
العصفور ينزوي مهزومًا فى قفصه ، والشاب ينكفئ أسفلَ النافذة
يرقبُ.. آخر شعاع للشمس ينسحبَ خلال قضبانها،
ومع آخر ضوءٍ يقتربُ من عصفوره السجين قائلا ً طال الوقت رفيقي وأصبحت لا تغرد ، تجاهلتْ محنتك واشركتكَ محنتي فى غرورٍ ، سامحني ،
فى الصباح ..أطلقُ سراحك.
وفى الصباح
صخبٌ وضجيجٌ كبيران ،طلقاتٌ ناريةٌ كثيفةٌ تدوي فى كل اتجاه ، صياح وصراخ يأتي من كل صوب ، الشاب يثب وثبات متتالية محاولاً أن يستطلعَ الأمر من خلال النافذة يُصدم باب زنزانته بعنف ثم يُفتح بكامله، يناديه:
اهرب أيها السجين!
يرتبك الشاب لا يدري ماذا يفعل، يهرولُ نحوَ باب الزنزانة. يعودُ مسرعًا حيث العصفور يحرره قائلاً : اهرب أيها السجين ، ويهرول ثانية تجاه الباب ، يلقي نظرة أخيرة على العصفور فيجده كلما حاول الطيران طار حتى ارتفاع القفص الذى قد تحرر منه ويهوي إلى الأرض ،ثم يجد مرة أخرى فى الطيران فلا يتجاوز مثل محيطه وينتهي إلى الأرض ، يضطرب الشاب ، يدور حول العصفور حائرا يحاول أن يتجاوزَ باب محبسه فلا يستطيع ، وكأنه وقد أصبح القفص والزنزانة للسجينين الصغيرين هما،،،
كُـل الفضـــاء.
#تمت.
