ق.ق
الغرانيق
من قلب القبطان
بقلم أ. علاء طبال
........
هبطت عواصف الأمطار فجأة في موجات عظيمة متتالية، لم تدع فرصة لإنقاذ حفنة واحدة من غلال الأرض التي كانت تتشمس في الأفنية من بين براثنها، ولم تدع إلا فرصة الاحتماء في الأقبية وتحت الأسقف، والتحديق في اللعنة المتساقطة وهي تأكل الأخضر واليابس.
لم يحزن قياديم أرباب العمل ومرؤوسيهم وأسرهم على الجهود الضائعة بقدر حزنهم على البقرة الهرمة التي جرفها الطوفان.
بدأت الكارثة منذ يومين، وتحديداً في الصباح الباكر حيث كانوا غارقين في النوم، ورغم الصخب الذي أحدثته النازلة وتقلقل جدران البيوت وسطوحها ظلوا نائمين، مهدهدين بإلحاح شدتها وفتورها في آن.
لَفّهم الضباب وعودة وعيهم بما حولهم عندما نهضوا، واشتدت السيول وأرياحها أكثر مع مرور الوقت، كان الجو عابقاً بروائح نتانة ماء السماء.
أسلمت البحيرات قيادها، ارتفعت رويداً رويداً واقتحمت الشوارع الريفية الرئيسة، ودمرت بيوت العجائز الذين اعتاشوا على زرع أوهام المحافظة على بقرة القرية الغابرة البليدة في مهج البقية.
لم يبقِ غضبها ولم يذر، حتى شجرة الليمون الوحيدة، المتفردة في غزارة ثمارها في القسم الغربي من القرية أهلكها.
أدرك سكان القرية أن المصيبة أنكى من كل الرزايا التي داهمتهم من سنوات خلت، لكنهم لم يدركوا أنها الأفظع على الإطلاق إلا بعد اختفاء بقرة بؤسهم.
شنفت الأحداث آذان القرى المجاورة في المساء، لاكت ألسن الجيرة الشنائع والأضرار التي خلفتها وتخلفها السموم، وبعد أخذ ورد لموا شملهم، وصعدوا إلى التلال المسيجة للوباء لمشاهدة العقاب المحيق بهم، ظلوا ساعات وساعات يتطلعون إلى ما يجري بأفواه منبهرة تُفتح وتُغلق كما لو كانت تريد إثبات وجودها، ودون أن ينالهم التعب ودون أن يحركوا ساكناً، الأمواه التي علقت الكثير من الجمادات في الأعالي ومزقتها إرباً إرباً ازدادت يباساً وغمقاناً وترهلاً.
اختلطت شقشقات الفجر بتعداد المعاقبين للأضرار التي نتجت، جاء على لسان أحدهم: لا أدري كيف سولت لها نفسها إسقاط كلمة الله، وصور أبطالنا، ومعلقات أجدادنا وأمجادنا، وتاريخنا النضالي الحافل بالإنجاز المعلقة عليها ودوسها.. في الفترة الأخيرة صارت غبية.. لقد كنا نعبد حماراً.
من عل سمعتهم ينوحون على ضياع بقرتهم في المكان الذي ضاعت فيه البقرة الحمراء ربما، وشاهدت الدمار الذي حل بكل شيء إلا بمعلقات البقرة.
بعد أن أوليت ظهري للخراب ومن معي سمعت فتاة في الأسفل تصيح: العجل ما زال حياً.. الحمد للعجل.
- تمت -
