مرايا من هناك
مأساة التعليم
بقلم / أيمن دراوشة
إنَّ من الأسباب الرئيسة للتخلف والتردي في الوطن العربي، والكبوات التي تحيق به من كل جانب، ناتج أساسًا من فشل العملية التربوية، فالتعليم في الوطن العربي يواجه مشكلات كثيرة، تبدأ بالميزانيات الشحيحة المرصودة، أو سوء استخدام هذه الميزانيات، ومرورًا في المناهج التي لا تتغير إلا شكليًا بعد مرور سنوات طويلة، ولا تنتهي بالمعلمين والمعلمات الذين يدخلون في مسيرة التعليم دون خبرات أو دورات تمنحهم الإمكانيات والمهارات اللازمة للقيام بعملهم المقدس الهام.
وبينما نرى الاهتمام الكبير بالنشء في الدول المتقدمة، مثل أوروبا واليابان وفنلندا، وانشغالهم في كيفية تطوير العملية التربوية والمناهج، والأساليب التدريسية والنظريات الحديثة، ما زلنا نحن العرب نمارس نفس العملية منذ الاستقلال، فلا تطوير للبيئة المدرسية، ولا المناهج تواكب التطور الكبير في مختلف المجالات، والأساليب التدريسية والنظريات المعاصرة المطورة والقادمة من الغرب يتم إيصالها من خلال الدورات والندوات التي تُعطى للمعلمين والمعلمات ، لكن دون تطبيق عملي يذكر على الرغم من تخصيص الأموال للمحاضرين الذين ربما تم استقدامهم من الخارج ، اللهم إلا أسلوب التلقين الذي لا يتم بالمدارس وحسب، بل أيضا تعداه إلى الجامعات العربية، مما خلق جيلًا يعجز عن فهم مشكلاته وحلها.
وإذا كان الاهتمام بالتعليم للطلاب العاديين هكذا، فإنّ الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم سوف يتحطمون على أسوار المدارس؛ بسبب غياب طرق التعامل معهم، فيما لو تم مقارنة هذه الفئة بتعامل الغرب معها.
وإن كان هناك من ينفق على التعليم ببذخ وسخاء في وطننا العربي نظرًا لكونهم من الدول الغنية بمواردها، فقد ثبت أنَّ هذا الانفاق والبذخ لم يزحزح التعليم قيد أنملة، فالمشكلة ليست بالإنفاق بقدر ما يتعلق الأمر بالمناهج وتطويرها خاصة فيما يتعلق بالخطاب الديني، والمعلم واحترامه وتوفير سبل العيش التي تكفل له حياة آمنة وقدرة على العطاء، فالإحباط الذي يعاني منه المعلم في أوطاننا العربية، لا يخفى على القاصي ولا على الداني، في الوقت الذي يعامل المعلم في بلدان مثل اليابان والصين كرجل مقدس ينبغي احترامه وتوقيره.
إنَّ استخدام الدراما في التعليم على سبيل المثال لا الحصر، انتشر في الكثير من دول العالم، والتي حققت نتائج عظيمة بتخريج أفواج من الطلبة يعتمد عليهم في النهوض ببلدانهم، بينما لم يفكر وزير تعليم عربي بإحداث ثورة في وزارته للنهوض بالتربية والتعليم من خلال تدريب المعلمين والمعلمات على الطرق الحديثة في التعليم، وتوفير الأجهزة والوسائل التعليمية للغرف الصفية كي يتم التطبيق العملي لهذه الدورات التعليمية المواكبة لنهضة التعليم في الدول المتحضرة ، والتي يجب أن تدرس في الجامعات؛ كي يتخرج المعلمون وهم يملكون المعلومات والمهارات والمعارف اللازمة وإلا سنبقى نرزح تحت نير الضعف والهوان والتخلف، فالكلمة السحرية للنهوض بأوطاننا العربية هو العلم الذي لا يمكن أن نملكه، إلا إذا جعلنا كل همنا في كيفية مواكبة الأساليب العلمية الحديثة في التعليم.
إنَّ أفضل النتائج يمكن الحصول عليها من المتعلمين، إذا كان المعلم يمتلك مهارات جوهرية ثلاث كما يقول عالم النفس كارل روجرز، وهي: القبول، والأصالة، والتعاطف.
إذ على المعلم أن يكون بلا أحكام مسبقة، ويقبل التلميذ كما هو، والأصالة تعني تقييمًا نزيهًا للذات كمعلم، فهل يدخل المعلم الغرف الصفية كما هو عليه حقيقة، أم يضع قناع السلطة؟ أما التعاطف فهو كما قال دافيد هيكس: "القدرة على وضع الذات في جلباب شخص آخر للتوصل إلى المعنى الحقيقي لما قد يشعر به". فعندما يحس التلاميذ أنهم مقبولون كما هم، تصبح التفاعلات مفيدة للغاية، والتعلم العميق ممكنًا تمامًا كما هو حاصل في الغرب.
ولننظر الآن إلى واقع المعلم العربي الذي يعاني الفاقة وانسداد فرص التطور، وإلى التلاميذ وكيف يعانون في المدارس؟
ولننظر إلى الفرق الشاسع بيننا وبينهم، فالتعليم عندهم متاح للجميع، فيما عندنا متاح لأصحاب النفوذ والوساطات، ومن يدفع أكثر، عندهم يتم التركيز على المتعلم الذي هو الطالب، فيما نركز نحن على المعلم ونرهقه بأعمال ليست من اختصاصه حتى يشعر المعلم بكراهية المهنة والاستعباد مقابل حفنة من الدولارات.
من هنا يفرض السؤال نفسه، لماذا لا نتقدم نحن؟ لماذا تظل مخرجاتنا ضعيفة كما يقال؟ لماذا يعاب دائمًا على وزاراتنا التعليمية بالقصور والضعف والتخلف، وإن كنا نملك بعض مقومات النجاح تلك؟
هناك خلل ما يتمثل فينا نحن العرب حين يختار الشخص غير المناسب لمكان ما بحاجة لخبرة وجهد، حين نتشدد ونبتعد عن المرونة في التطبيق والتراجع عند الخطأ حين يعاد التقييم، ويختلف عما هو موجود، ولا يعمل على إنصاف المخلص والنشيط، حين تعدُّ المناهج بعيدًا عن قدرات الطالب وإمكانياته ولا تتوافق مع عصر المعلوماتية والتقدم الصاروخي الهائل في كل المجالات الحياتية، حين لا يلتزم المعلمون كما ينبغي ويتساوى المتمكن مع الضعيف في كل ما يحصلون عليه، فالتدريب في فنلندا ليس فقط عبر دورات تعد للمعلم، بل هو الذي يسعى لتدريب ذاته، كما أنَّ معدل كثافة التدريس تحسب له تدريبًا.
لا نحتاج إلى مسؤول عربي ينسف ما سبق إنجازه، ويبدأ من الصفر من خلال قوانين تنال من المعلم كي يقال عنه مطوِّر ومجدد، بل نحتاج لمسؤول يقيَّم الموجود، ويصوب الخطأ، ويستفيد من خبرات الآخرين والاطلاع على التقنيات الحديثة في وسائل التدريس، نحتاج إلى أن نتخلص من كثرة الشكاوى والمشاكل التعليمية والإدارية والفساد الذي بدأ يستشري بكل مؤسساتنا التعليمية وغير التعليمية، كما نحتاج لوضع الرجل المناسب بالمكان المناسب.
آن الأوان لثورة تعليمية شاملة، تنهض بالوطن من كبواته المتواصلة، والتي انعكست سلبًا على أجيال قد تم مسح أدغمتها فأصبحت وحوشًا مفترسة تتعطش للدماء والعيش في عصور التخلف والظلام.
