ترتيب مسبق
بقلم:م.زينب الأسدي
يحدث أن يظهر قوس قزح في الليل!
ويحدث أيضا أن نتقافز لرؤيته فزعا، لا ولعا!
دورية... تفتيش... شرطة.. جاءت... كلمات نطقها جدي دون مراعاة ربط الجملة... فليربط الله على قلبه ..
قفز كبده، واختفى خلف الجدار ... سيتسلق خالي سلم جارهم العجوز إلى سطح البناية -هكذا خمنت أنا-
سحبتني أمي بقوة وأخفت وجهي في بئر صدرها. ضُرِب الباب بقوة، تصاعدت إثره دقات قلبها، تلهج، تخفت تارة وتتصاعد وتيرة أنفاسها تارة أخرى، لم أعِ تماما ماذا تتمتم ...
لكنني شعرت كأن آخر دينصور يحتضر الآن بداخلها..!
قالت لي ذات مرة بأنه انقرض...!
لا ليس صحيحا ها هو يصارع في جوفها. أو ربما شيء بضخامته -تنين مثلا-، لا أصف زفراتها بأقل من ذلك.
أسترق النظر من بين ذراعيها المتشابكة حولي، وجوه صهباء في الجنوب السمراء، بزز مرقطة بالــ... دماء...
كانت ملطخة بأدران فار آخر، متخاذل آخر، غوغائي آخر...!
_الغوغائي، أين هو؟ قال الضابط..[أتذكره حين زمجر؛ شعرت بسقوط آخر شعرة من رأس جدي].
_فــر...! , قالها جدي منتصبا خارا إلى الكنبة...
تجهم وجه الآمر ولكي لا يخرج خاليا قرر اعتقال صورة لشخصية رمز ديني ومصلح اجتماعي، كانت قد علقتها جدة أمي في حجرتها...
_مزقوها..! [أمر جنوده]
تجهش العجوز وتذود عن الصورة.
لا، لم أميز حقا من ذاد عن الآخر، ذلك العشق الفطري الذي يذيب الأشياء ببعضها دون أن يلحظ تجانسها أحد.
اقترب مختار المنطقة المرافق للدورية وهمس بأذن الضابط شيئا [أخمن لكَ الآن بأنه كان قد أخبره بأن هذا الفعل سيثير فتنة، ليس لأحد طاقة بعواقبها] جعله يترك العجوز والصورة معلقين ببعضيهما آمراً جنوده بالمغادرة.
الغريب أنني لم أسمع إثر المداهمة صوتا، نفسا، ولا حتى حسيسا لوالدة أمي...
نُقلت لمستشفى القضاء بعد التفتيش حيث تبين أنها قد فقدت القدرة على النطق.
وبينما كانت زينب تسرد هذه الأحداث وتعززها بدمعة تارة وابتسامة سخرية تارة أخرى، ولم تبخل بتسخير رأسها أو أي واحد من أطرافها الأربع لتمثيل المشهد، راح زياد يصغي لها بفتيل جوارحه ثم قاطعها قائلا:
_مايحدث في سوريا ليس بأقل مما حدث في العراق.
تُحرك رأسها صعودا ونزولاً مؤيدة وتكمل ما ابتدأت به..
قالت:
"صدقا لم يكن خالي منتميا لأي حزب معارض، أصلا لم يكن سوى "الحزب الواحد"، لكنني كثيرا ماسمعته يردد:
"لو كان إصبعي حزبيا لقطعته"، وتستدرك:
خانت السطوح، ألقي القبض على "الغوغائي"، أصيب جدي بالجلطة وجدتي بالسرطان، صدر قرار الإعدام بحق ابنها فماتت هي نيابة عنه.
تمنيت أن يكون عمري كالسلم لأقفزه درجة درجة بسرعة ودون أي توقف، فقط لأرد اعتبار عائلتي عن إهانات النظام لها بعد كل مداهمة، عن الموت، الشتات، عن كل الأشياء التي لم أكن أدركها.
بقيت كما أنا أمامك الآن، أقف كل يوم بوجه المرآة وأعيد تجسيد المشاهد، كمن يعمل صيانة دورية لماكنة ما كي لا تصدأ...
تمر الأيام كمرارتها لبطل عاد منتصرا من كل معاركه، وصرعه الموت على الفراش.
آخيرا بلغت الثانية عشر من عمري وربما هي كل ماخصص لي من سنوات.
مبتهجة، أرتب ما سيحصل:
"سيقبضون على الطفلة الغوغائية، سيصاب أبي بالجلطة، وتموت أمي بالسرطان بعد قرار إعدامي" [هكذا تماما وكأنها إرث ينتقل من الآباء إلى الأبناء].
تقتحم المديرة صفوف المدرسة تصحبها مجموعة من "الرفيقات" وقيادة الحزب البارزة في المدينة، يضعن أمامنا إستمارة لم يكتب بها سوى كلمة واحدة "انتماء" باللون الأحمر وبحجم لو ركز الأعمى جيدا لاستطاع قراءتها.
تظاهرت بالمغص، هل شحب لوني؟، يجب أن أكون شاحبة... وإلا لا أحد سيصدق مثل هذه الحركات. أمسك بطني، أتلوى. أستحضرهم لأمسك برباطة جأشي، جدي جدتي خالي, "لو كان إصبعي حزبيا لقطعته".
أعلم بأنني لو سقطت لن يحدث جسدي النحيل أي وقع. يجب أن أتصرف ... أتذكر... المسمار البارز من مقعد جلوسي والذي طالما علق بصدريتي المدرسية واستل منها خيطا...[حتى الأشياء السيئة بالمجمل لا تخلو من فائدة] أسقط، تسيل الدماء على وجهي، أفقد الوعي.... نجحت
أستيفيق فألمح خالي، أمي، أبي... يا إلهي جميعهم حولي
لم يصب أبي بالجلطة ولم تمت أمي .... أتلمس وجهي رقبتي... أنا وخالي لم نُعدم بعد، لماذا؟!
ضحكوا من براءتي وربما سذاجتي!
يبدو أنهم عرفوا كل مخططاتي عندما كنت تحت التخدير.
خالي، ممازحا قال:
"مبارك أيتها الغوغائية الصغيرة, على عينك سقط النظام"
أجبته بشراسة: "بل على يدي"
