زرقاء
----------
ارتعاشةُ كفيّها لَطالما أسَرتني وهي تُحيطُ بكفيَّ الضئيلَين، ابتسامُتها الشّاحِبة كَانت كفيلةً بإشراقةِ شمسٍ على يومٍ كئيب، حتى خُطواتِها المُتمهّلَة بِظهرها المنحني وعكازِها الأعْرج كانت تبثّ في قلبيَ السُّرور، ما كان يزيدُها جمالًا تلك الوشومُ الزّرقاء التي تزينُ ذقنَها وجَبينها كأنها رُسِمَت لِتَتَماشى مع زُرقةِ عَينَيها النّاعِستين، حتى تلكَ الأخاديدَ التي حَفرها الزّمانُ في وجْهها كنتُ أراها كأنهارٍ وينابيعَ متأكدةً أن أحدَهُم قدِ ارتشفَ مِنها حتى ارتَوى، كم كُنت أعشقُ صُنع تلك الضفيرتينِ لها، احتلهُما البياضُ لكنّه لم يستطِع أسرَ بريق الذهبِ فيهِما، ما كانَ ينقُصُني فقط هو سماعُ صوتِها، فرفيقتي ترفضُ الكلامَ، لكنّها تطلقُ الكثيرَ من التناهيدِ وتطيلُ الشُّرود، "زرقاء" هكذا أطلقتُ عليها، منذُ جَاءت فقد كَان ثوبها الأزرق حقًا يَليقُ بها.
كانَ نهاري يَبدأ بها وينتهي بها، رَغمَ الكثرةِ من حَولي، لكنّ شيئًا خفيًّا كانَ يَشُدُّني إليها، حتى هيَ كانَت لا تقبلُ الدّواء والطّعام إلا إن قدمتُه أنا، في الفترَة المخصّصَة للّتنزه في الحَديقة كانَت تطلُبني أيضًا، مما كانَ يُشعِرني بالانشراح.
علمتُ صُدفةً أنها كانَت تُحبُّ الاستماعَ لِكوكَب الشَّرق فحرِصتُ على وضعِ هاتفي كلَّ مساءٍ فوقَ المِنضَدة القريبةِ مِنها لمدة ساعةٍ وأكثر، أعودُ لأخذِه بعدَ أن تكونَ قد غطّت في سُباتٍ عميقٍ رغمَ تأَفُّفِ أمي لتَأخُّري المُستمرِ عنِ البَيت.
في إحدى المَساءات وقبلَ موعدِ انصرافي المُعتاد ذهبتُ لأتفقدَها، طبعتُ قبلةً حانيةً على جَبينها، فتسلّلَ لمَسامعي صوتُها لأولِ مرةٍ منذُ خمسِ سنوات " الله يرضى عليكِ" وأمامَ دهشتي استسْلَمتْ للنوم، فخرجتُ والدنيا لا تسعُني من الفرح.
هذا الصباحُ كانَ مختلفًا جدًا جدًا، فَلمْ ألمحَ للشّمس أيّ أشعةٍ تجوبُ أروقةَ المَكان تَعتليها ابتسامةٌ شاحِبة، ولم أسْمع للعكازِ الأعرَج صدى خطوةٍ واحِدة، طردتُ كلّ هاجسٍ سيء وردَ على خاطِري بل نفضُته كعُثٍ عالقٍ في ثيابِ أفكاري، وشدَدتُ الخُطا نحو حُجرتها، متأكدةٌ أنها لم تتناول إفطارَها بَعد رغمَ تأخُري ساعةً كامِلةً عليها، تساءلتُ في نَفسي"أتراها تغفرُ لي؟
قبلَ أن أدلُفَ لأحضانِ حُجرتها الدّافئة نادَتني إحدى المُوظّفاتِ على عَجل حاولتُ التذمُرَ لكنّها أصرّت، نَظراتُها الحزينة لم تُرحني بل جَعلت هواجِسي تَبدؤ بالحفرِ لكن هذه المَرّة في أحشائي، لمْ تنبِس بِبنت شِفة بل أدارت الحَاسِب المحمولَ نحوي، تمامًا على صفحة معيّنة.
لم أعلم كم مَضى عليّ من وقتٍ وأنا متكورةً على نفسي في أحضانِ فِراشِها الباكي، جُلت ببصري أمشّطُ أنحاءَ المَكان كأنني أبحثُ عن شيءٍ مِنها ما زالَ عالقًا بالجُدران أو رُبما على النّوافذ أو حتى السّتائر الزّرقاء، طالعتُ عُكّازها فوجدتُه منحني الظهر كأنّ العُمر تقدّم به فجأة، لكنْ لا شيء، ناديتُها، فردّ عليّ كُل أثاثِ الحجرةِ شاهقًا.
تلمّستُ هاتفي بأنامِلَ خائفةٍ ودونتُ اسمه، ليُقابلني منشورهُ الأولُ لهذا اليَوم، مرفقًا بصورةٍ من قلبِ الحدث، بدأت أبصقُ الحروفَ السّوداء من فَمي بِقرف:
" لطالما كُنتِ مصدرَ القُوة لي، لطالما كُنتِ ملجئي في خَوفي ووحدتي، حُضنِيَ الدّافئ، من بعدكِ ماذا عسايَ فاعِل، اللّيلُ لن يعقبَه نهار، فليلي لا يُنهيهِ إلا قُبلةً منك،
سأغصُّ بطعامي كلما تذوّقت المرارَ فيه فلَقد فقَدَ الحلاوةَ مع رحيلك، الحُجرات أضْحت خاويةً يا أمي فصدى صوتكِ أصابه الخَرس.
أمي يا جنّة الدُّنيا، أتمنى أن أصْحو من كابوسِ فقدكِ لأجدكِ ما زلتِ قابعةً بين أحضاني، رحمكِ الله وأسكنكِ فسيحِ الجِنان.
ابنك البار.............
عددُ الاعجاباتِ كان يفوقُ الآلاف، أما التعليقَات رغمَ مرورِ ساعاتٍ قليلةٍ إلا أنها تَجاوزت ذلكَ بكثير.
كانَ ذلكَ المُنافق يذرفُ الدّمع عَليها أمامَ مُتابعيه المُتملّقين.
هببتُ واقفةً كالمصعوقة أصرخُ بصوتٍ تجمّع على إثرهِ كُل من في المَكان" أنا أحقُّ بها مِنك، إنّها أمي، زرقائي، منذ ألقيتها أمامَ الدّار ورَحَلت".
تناهيد عبد الرحمن
