زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة تحليلية _ بقلم مجد محمد وليد _ لومضة تعفّف/ للكاتبة: منى عز الدين






 قراءة تحليلية
------------
لومضة تعفّف/ للقاصة: أ. منى عز الدين

 بقلم مجد (جودي) ✒..

----------------

 متابعة أستاذ رصيف الأمل

تعفّف

تغشّاه النّور؛ احترقت فراشات الغواية.

                 ----------                 
 مقدمة تمهيدية:

-----------------

"إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى؛ ومن أخطأه ضل". ضمن هذا السّياق، تندرج فكرة النصّ الومضي موضوع التحليل.  
ومضة حكمة استوفت شروطها ومقوماتها الأساسية شكلاً ومضموناً من حيث العنونة، التكثيف، الإيحاء، المفارقة والإدهاش، كما خلت من الأخطاء الإملائية.. لتكوّن نصّا بليغ التطريز بديع المحتوى.

¤عتبة النص/العنوان:  (تعفّف) 

عنوان مفرد ونكرة، تميّز بالجاذبية والتشويق لشدّ القارئ، حتّى ينهل من دلالاته القِيميّة.
فالعفّة: مصدر عفَّ، وهي الكف عمّا لا يحل ولا يجمُل،
بتنزيه النفس وضبطها عن الانسياق وراءَ الشهوات، والكفُّ عن المحرماتِ وسؤال الناس بوجه الاستجداء.. كقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}. 
إذاً العفَّة: هي كفُّ النَّفس عن المحارم والامتناع بقناعة واختيار عن إرضاء حاجة أو رغبة طبيعية أو غرائزية.. ومن ذلك: العفَّة عن اقتراف الشَّهوة المحرَّمة، و أكل المال الحرام و ممارسة ما لا يليق بمكانة المسلم، 
والتَّعفُّف نقيض للدَّناءة والخسَّة، فهي من مكارم الأخلاق أمّا الدَّناءة فمن رذائلها. 
وإذا أردنا أن ننظر إلى الخُلق الذي تتكَّون منه العفَّة؛ فإنَّنا سنجده في الصَّبر؛ لأنها أساساً ناشئة منه، والعفَّة لا تكون إلَّا إذا وجد الدَّافع إلى ما ينافيها، وبالتالي كُلِّما كانت الظُّروف الدَّاعية لارتكاب الحرام أعظم، كانت العفَّة في الصَّبر عن ارتكابه أعظم.
وعبر التاريخ الانساني، كانت عفّة سيدنا يوسف عليه السّلام، أعظم مثال للبشرية، حين اجتمعت له كل الظروف المواتية لارتكاب الفاحشة بعد الدّعوة الصّريحة للمعصية حين {رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} لكنه تعفّف لمّا {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.. وبهذا نجد أن العفة خلق إسلاميّ رفيع وثمرة من ثمار الإيمان بالله تعالى، تؤتي أكلها كلّ حين، بالابتعاد عن سفاسف الأمور وما فيه خدش للمروءة والحياء، كما أنها لذة وانتصار على النفس الميّالة للشهوات، وتقوية لها بالتمسك بالأفعال الجميلة والآداب النّفسانية القويمة. 
فهل تقصّدت القاصة، تذكيرنا بمكارم الأخلاق التي باتت مجتمعاتنا العربية في حِلّ منها، فجاءت العنونة بمثابة دعوة مباشرة؛ لإقامة العفاف عبر تزكية الطهارة في القلوب، وغرس الفضائل والمحاسن في النفوس..!!
هذا ما سيكشفه لنا متن النصّ. 

¤ الجملة السببية: (تغشاه النور) 

بدأت القاصة ومضتها بفعل "تغشّى" ويأتي بمعنى تغطى أو انتشر.
أما عن كلمة (النور) فالمقصد منها الإنارة والإضاءة،
- يقال: نارَ الشيء، وأنار، واستنار: إذا أضاء.. ونارت النار: أي أضاءت.
والنور: اسم من أسماء الله الحسنى، و قد أفرد القرآن الكريم سورة خاصة تحمل هذا الإسم (النور).. 
ولفظ النور ورد في القرآن خمسة وأربعين موضعاً  على عدة معانٍ وهذه بعض منها.. 
- الإسلام: من خلال قوله تعالى (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره) 
- الإيمان: وذلك في قوله تعالى (الله وليُّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) أي ظلمات الكفر وشكوكه الحائلة دون أبصار القلوب، ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته. 
- وأيضاً بمعنى القرآن في قوله تعالى: (وأنزلنا إليكم نوراً مبينا). 
وكان الشخصية التي تخبرنا عنها القاصة، غطتها هالة قدسيّة من النور؛ لتعزلها عن الظلمات أو لتنير طريق دربها لتتلافى العثرات. فحين يهدي الله عبده ويحيطه برعايته؛ يمنع عنه الزّلات والسّقوط في معاصي الرذيلة مثل (الرُّسل والانبياء) كما سبق وحدث بقصة سيديا يوسف، حينما حال الله بينه وبين الوقوع في شرَك غواية "زليخة" زوجة عزيز مصر، فأنار بصيرته ليسلك طريق الحق و يبعده عن الضّلال.. 
تماما كالشخصية التي رسمتها لنا القاصة وقد غشيها نور الحقّ حين اتبعت الطريق القويم، لتعزلها عن كافة المغريات والملذات الدنيوية.. 
إن المتمعّن في ومضة الحال، سيجد أن القاصة اعتمدت في صياغتها التركيبة للنصّ على الثنائيات الظاهرة الجليّة كثنائية [النور والنار، العفة والغواية] وأخرى باطنة خفيّة ولّدتها المعاني، كثنائية [الليل والنهار،الاستقامة والرذيلة، الحق والباطل].. 
فعند قولها (تغشاه النور) نلاحظ أنها استعملت الفعل "غشي" بغير سياقه المعهود، فعادة ما يُقال غشيه اللّيل بمعنى أدركه، فغطى المكان وانتشر، كقوله تعالى: {واللّيل إذا يغشى والنّهار إذا تجلّى}. وكأنها أرادت من خلال هكذا تركيب تصويري فريد، أن تعيد ترتيب مواضع الأشياء في أذهاننا لإثارتها حدّ التشويق؛ تأسيسًا للمفارقة والدهشة المرتقبة.
أما بخصوص ثنائية النور والنار، يقول أهل اللغة بأنّ:  النون، والواو، والراء؛ تدل على إضاءة، واضطراب، وقلة ثبات. منه النور والنار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ لأن ذلك يكون مضطرباً سريع الحركة. 
وقد تؤدي النار نفس الدور عند الاضاءة للاستنارة بها، كقوله تعالى على لسان سيدنا موسى ( إنّي آنستُ نارا) فكانت تلكك النار رمزا لنور الهداية. 
فهل أدت ثنائية النور والنار نفس تلك الوظائف من إضاءة وإنارة و هدي في الشطر الثاني من الومضة..؟ هذا ما ستخبرنا به القاصة في الجملة الثانية.

¤الجملة النتيجة: (احترقت فراشات الغواية) 

صورة شعرية جمعت في آن بين الجمال والقبح..
وقد ابتدأتها القاصة بفعل:
▪احترق: أي اشتعل، أو تعرض لحرارة شديدة.. 
ويقال احترق الشيء :أي هلك. واحترق القلب، كناية عن شدة الألم.. 
"احترقت" فعل ماض وصِل بتاء التأنيث للجمع المؤنث على عكس الفعل (تغشاه) الذي اتّصل بضمير المذكر الغائب المفرد، ولعلّ في ذلك دلالة على تفرّد الشّخص وتعدّد مصادر الغواية؛ سواء كانت غواية حسّية (بفعل الأشخاص من الجنسين) أو غواية معنويّة نتيجة (الأفكار التي توسوس بها النّفس أو الشّياطين). 
فما كان قصد القاصّة هنا من معنى الاحتراق، هل هو احتراق مادي أو معنوي..!؟
مهما يكن من أمر؛ فذلك المؤمن حين تغشّاه نور الإيمان والهداية؛ باتت عفّته ناراً تحرق كل معصية ورذيلة حرّمها الله عز وجل.. فتعفّف المرء بعدم انصياعه خلف أفكار الغواية سواءً الصّادرة عن وساوس النّفس أو وسوسة شياطين الإنس والجان؛ جعلت المُغوي يهوي في سحيق أعماله؛ ليحترق غيضاً نتيجة اعراض المَغويّ عن كل ما زُيّن له من المغريات، والتي اختارت لنا القاصّة التّعبير عنها "بالفراشات" ضمن صورة شاعرية مكثفة، مكتنزة الدّلالة، محمّلة بالرّمزية والايحائية. 
فمفردة (الفراشات) جاءت في سياق الجملة كتشبيه تمثيلي ملموس، للتعبير عن مصدر محسوس(الغواية).
فالفراشة هي مصدر للجمال برشاقتها وخفّتها وسحر ألوانها، وهي رمز للشهوات والغرائز والفتن التي قد يتعرّض لها الإنسان في قائم حياته. 
ولعلّ مايميّز الفراشة اضافة إلى سحر ألوانها، تلك السّرعة التي تنتقل بها من زهرة إلى أخرى ومن فضاء إلى آخر، صفة تجعلنا نستحضر ولو إيحاءً، تلك الأفكار التي تخطر ببال الانسان (من شهوات وملذات ووساوس..) وكأنها تقتحم العقل لترفرف داخله بكل حرية دون حواجز أو قيود تمنعها..
ولقد كان اختيار تلك المفردة جد موفق، اختزلت به القاصّة الفكرة- ببراعة وابداع- لإيصال معنى الغواية: وهي مصدر لفعل غوي، ومعناها الضلال والإنحراف عن شرع الله، بما يؤدي إلى الفساد والهلاك. كقوله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} أي فسد عيشه في الجنة. و قد مجّد رب العزّة الرّسول الأكرم عليه الصّلاة والسّلام عند قوله: {ماضلّ صاحبكم وما غوى} اي ما حاد عن الحقّ ولا زاغ عنه؛ ولكنه بقي على استقامته وسداده برغم الغواية، فما صار غويّا ولكنه ازداد رشدا وسدادا.  
وهذه الغواية، هي مهمّة إبليس في الأرض، إذ قال: {فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين، إلاّ عبادك منهم المخلصين} وهنا أقسم إبليس بحق سلطان الله، أنه سيضلّ عباده ويزيّن لهم الشّهوات و المعاصي؛ ليحيدوا عن طريق الحق، إلا الذين أخلصوا في عبادتهم فلقد عصمهم الله من شروره ووساوسه، تماما كحال شخصية الومضة التي تحصّنت بنور العفاف؛ فأحرقت بنور عفّتها رموز الغواية. نتيجة صادمة بخاتمة مدهشة،، حين تحوّل النور المضيئ إلى نارٍ تلتهم الظّلمات ويُحرق فيها الغُواة. 

*الخاتمة:

اليوم؛ وبعد أن تخلّى المسلم عن اتّباع دينه كمنهاج..
انتشر الفساد، وغزت الرّذيلة العباد، فانحرفت معها الأخلاق؛ لتحترق بنارها معظم البلاد.. 
وكأن حال لسان القاصة يخبرنا بأن طريق النّور واحد لاغير، وهو اتباع أوامر الله وتجنّب نواهيه، وما كان محور نصها (تعفّف) سوى مسلك للخروج من طريق المعاصي إلى نور الإيمان الحق.. ليبقى باب التّوبة مفتوحا لكل من طرقه بعد أن ضلّ عن سبيله وأغواه الشيطان كقوله تعالى: {الله وليّ الّذين آمنوا يخرجهم من الظّلمات إلى النّور} البقرة- ٢٥٧. 


ومضة كاملة الأركان مستوفية الشروط، صيغت بعناية، فاستحقّت الغوص فيها وتبيان روعة معانيها، للاستفادة من حكمتها وكنوز عظتها. 

--------------------------
زمرة الأدب الملكية.

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية