زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

هل يرى الموتى أحلامًا؟!! _ بقلم : أ. أحمد عبد الحميد






هل يرى الموتى أحلامًا؟!!

****************


أكاد أسمع الموتى يتهامسون في السماء، أراهم يراقبوننا من الأعلى وقد قاموا من نومهم القصير الذي عرفوا أنه الخط الفاصل بين الحياة والموت، يجلسون من الصبح حتى المساء، لا شمس عندهم ولا قمر، وإنما يصبحون حين يضحكون ويمسون حين يغمضون عيونهم..هل يرى الموتى أحلامًا في رقادهم الأبدي الممتد، كالتي نراها نحن الأحياء عندما نغفو؟...
حين كنا صغارًا نزور جدتي كل صيف في بيتها الريفي، كنا نلتف حولها مساءً ليرتع خيالنا الطفل في أودية حواديتها وأقصوصاتها المثيرة، بصوتها الواهن الحنون....حين سألتها ذات مرة عن جدي الذي لم أره قط، وهل تفتقده؟... لم استطع أن أميّز وقتها هل كانت جادة فيما روته لي عن جدي أم أنها كانت تلاعب عقلي الطفل وتعبث معه.. لكنه بقي عالقًا في ذهني حتي اليوم....  أكثر ما أتذكره من ذلك الحديث الطويل عن ذكرياتها مع جدي الراحل، أثناء طقوس تسوية الخبز في فرنها الطيني العتيق، هو ما أكدته لي بأنها تعلم أن جدي يحلم بها في قبره كلما زارها هو في أحلامها بدوره!! كنت طفلًا لا أعي ماهية الموت ولم اتوقف طويلًا حينها لأتساءل: هل يرى الموتى أحلامًا كالتي يراها الأحياء؟... كانت تؤكد لي أن منهم -الأموات- من تراوده الكوابيس أيضًا، إن كان سيئًا شريرًا حال حياته....لم أرَ الأمر كله بعد ذلك على ضوءٍ آخر سوى أساطير الجدات وحكاياهم.....  ولكنني لا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم..... 
كنا- أطفال العائلة- نحب اللهو كثيرًا بالقرب من المقابر التي لا تبعد كثيرًا عن بيت جدتي.... لم أكن أهابها حين كنت طفلًا لم يدرك بعد معنى الموت ومهابته، وساعدني على ذلك كل تلك الأشجار التي تحيط بالمقابر وتتخللها.... وكان وقت لهونا المفضل هو بعد العصر...  حين يغفو الكبار بعد طعام الغداء أو ينشغلون بتلك الأمور التي تهم الكبار...  ننسلّ نحن صوب المقابر قاطعين حقلًا صغيرًا نعدو فيه حتى يصل أولنا إلى شجرة التوت في وسط المدافن فنعلنه الفائز.... 
لم ولن أنسى تلك المشاهد الضبابية التي ترقد في ركن بعيد من أركان ذكريات الطفولة...  حين هرولت مسرعًا فسبقت كل أقراني إلى شجرة التوت العتيقة ورحت انتظرهم حتى أختال عليهم بأنني الأسرع... وحين قررت تسلق الشجرة لأهز أغصانها فأمطر عليهم من ثمار التوت- كانت أشهى ثمار توت ذقتها مذ ذاك حتي الحين- والشمس تفرد شعاعها الأصفر الحاني الذي لم يعد بنفس قسوته وقت الظهيرة، وتتناثر أشعتها الذهبية كخيوط خلال أوراق الشجر..مغلفة المشهد كله بأجواء الرؤى... سمعت أنينًا يأتي من خلف أحد الأبواب المعدنية المغلقة بقفل صديء ثقيل لأحد المدافن تحتي، وأنا أتعلق بذلك الغصن الغليظ...  ظننته في باديء الأمر صوت حشرات أو زواحف الحقول التي نسمع صفيرها ووجيبها ولا نراها قط... حين لمحت من أعلى رفاقي يقتربون سمعت الأنين يتكرر وكأن أحدهم يعاني وطأة كابوس لا يستطيع الهروب منه بالاستيقاظ....
وعندما وجدت رفاقي يتسمرون في أماكنهم وتتسع أعينهم ادركت ان هذا الصوت ليس وهمًا من خيالي الطفل وأنه ليس لحشرة أو لحيوان.
عدنا يومها جميعًا واجمين صامتين لم نهرول او نتقافز او نتحاور حتى فيما سمعناه وكأننا نتناساه حتي لا نبلل فراشنا ليلًا من فرط الرعب، ولكنني لم استطع كتمان الأمر عن جدتي ... أتذكر ابتسامتها العذبة وهي تمشط ضفائرها الفضية بينما أجلس جوارها فوق سريرها نحاسي الأعمدة... وكأن ابتسامتها كانت تخبرني أنني استحق لحظات الرعب تلك لأنني لم أصدقها ولأنني خالفت امرها واتخذت مقابر القرية ملعبًا لي....  فقط اذكر أنها دست في يدي بعض اقراص النعناع وهي تقول في ثقة العارفين: أما شجرة التوت، فمذاقها الحلو لأنها تتغذى من لحم موتى كانوا في حيواتهم أبرارًا... وأما الأنين فذاك كابوس يراه أحد الموتى في قبره يُعذب به لأنه كان شريرًا حين كان حيًا....
بعد كل تلك الأعوام، حين أمر على مقابر القرية وأعرج على قبر جدتي لألقي عليها تحياتي ودعواتي، قبل ان ألج إلى القرية ذاتها... اناجيها في كل مرة من خلف الباب الحديدي الأخضر الصديء في رقدتها الطويلة... وأتمنى لها أحلامًا طيبة تؤنسها بقدر ما ملأت خيالنا الطفل بهجةً ودفئًا... وأسألها: لماذا تحيطني الكوابيس وانا مازلت حيًا يا جدتي؟ لماذا لم تنتظرني حتى أرقد في مقبرتي لتنفرد بي كما أكدتِ لي؟ ... يبدو أن الكوابيس يا جدتي لم تعد تراعي قواعد الأساطير...  أو أنني شرير جدًا فقررت معاجلتي حيًا...  
وحين أدلف إلى طريق القرية مخلفًا وراء ظهري المقابر، أتجاهل عامدًا ذلك الأنين الطويل الذي يطرق اذني آتيًا من ذات المقبرة التي ارعبتني طفلًا حين اجتازها، وأمنع خيالي من تصوّر فك الجمجمة المتحلل وهو ينفصل عنها، حين تفغره لتطلق ذلك الأنين الممزق.... ربما لأنني صرت مشغولًا بكوابيسي الحية...وامتلأت أذناي بأنيني المتصاعد من تلك الجبانة الثاوية بين ضلوعي ... المدعوة مجازًا: قلبي.


****************

أحمد عبد الحميد 

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية