زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الحب في زمن الكورونا _ بقلم: أ. خالد العجماوي





 الحب في زمن الكورونا

*****************

-١-

كانت شفتاي تهمس حبا عند أذنها، ورأسها يميل، وهي تعض شفتها السفلى بعينين مغمضتين. ويداي تحوطان خصرها الدقيق. لمحت نبضها يسطع على نحرها في وله. ولثمته وأنا أتنسم عبير عطرها الرائق. بيد أني لم أكن قد ذقت شفتيها بعد، حين كسروا بابنا ليكون ثلاثتهم داخل غرفتنا بغتة.
لم تظهر لهم ملامح. كان كل منهم منعزلا داخل حلته البيضاء الواقية، والتي تغطي من رأسه إلى أخمص قدميه. حتى أظافره. عيونهم أخفتها دوائر بدت من زجاج، ووجوههم غطتها أقنعة سوداء من المطاط ربما. أحاطني اثنان، بينما لوى الثالث معصم زوجتي ليشل أي مقاومة. تأوهتُ ألما وقد لكمني أحدهم في معدتي حتى وجدت الغرفة تتحول إلى سواد. لا أذكر شيئا بعدها. ليس سوى أنه قد قال كلمة قذرة تخص شرفي وهو يركلني بقدمه.
لقد استطاعوا الوصول إلينا إذا. تراهم ماذا سيفعلون بنا؟ 
هل سياحكموننا أولا؟ أم سيقتلوننا على الفور؟ جرمنا عندهم أشد من القتل وأكبر من الخيانة. نحن بالنسبة إليهم نشرع في قتل الإنسان، ونخون صنف البشر. كل البشر. نحن قتلة وإن لم نحمل نصل سكين، وخونة وإن لم يكن لنا خائنة أعين. كان جرمنا أنا سعينا إلى التلامس، أو بالأحرى، أردنا الالتصاق.
-٢-  

"ستتزوجان. أقسم أن أفعلها!"
ضحكت حين قالها. رفعت حاجبي بمسرحية، وقلت :
- صرت الشيخ فالنتين!
- من فالنتين هذا؟
- قديس في عصور الرومان. قام بتزويج المحبين رغم نهي السلطات.
سألني في خفوت:
- وكيف كان مصيره؟
نظرت في عينيه، وقمت بإشارة الذبح، وهمست:
- قطعوا رأسه.
لكمني في كتفي، وقال ممازحا:
- لن تخيفني يا جبان!
ضحكنا. كان فارسا نبيلا في عيوني منذ كنت صغيرا. كان ثوريا متمردا، لا تتناسب حياته والاستقرار. كيف ونصف حياته قضاها بين التحقيقات والسجون؟ كان يرى أنه لا يمكن تطويع الدين لخدمة سلطة. وكانت هذه مأساته. 
- تحبها؟
أجبت:
- نعم.
أشار إلي بسبابته محذرا:
- إياك أن تقربها. 
- من قال إني سأفعل!
- دعك من تمثيل دور البريء. إذا أحب القلب تاق الجسد إلى الارتواء. 
كان يفهمني.
وكذلك كانت هي.

-٣-

بدت محاولات السيطرة يائسة. قررت السلطات أن ينعزل الجميع. لكل إنسان مسافة عشرة أمتار لا يقربه فيها أحد. مات نصف العالم فزادت الفراغات. صارت العزلة فرضا مقدسا، ومن لا يتبع الأوامر يكون خائنا، وعلى البشرية أن تتخلص منه كنفاية. توقف الحج إلى نهر الغانغ، كما توقف الذهاب إلى مكة. توقف قداس الأحاد. حتى صلوات الجمعة أوقفتها السلطات، طالبين من المصلين أن يصلّوا كل بمفرده، داخل منزله، وأن يدعو ربه أن يهدي البشرية سبيل خلاصها.
وقتها تمرد الشيخ "خضر". ظهر في التلفاز وقد انتفخ وداجه من الغضب، وهو يصرخ أن البشرية تحتاج إلى مزيد من الصلوات، وأن منع الحج والجُمع إن هو إلا طريق الهلاك. طال حبسه مدة شهر، ثم تركوه بعد أن تعهد كتابة بألا يجدد دعوته بصلاة الجمع. كان ذلك الشيخ خالي.
أسررت لخالي يومها بما يجيش في صدري من وجد. حذرني. لا زلت أذكر سبابته وهو يشير إلي صدري ويقول إياك والحرام. لا تقابلها سرا. ادخل البيت من بابه واطلبها من أبيها. حذرتني هي من أن أطلبها وأنا لا أزال طالبا ليس لديه دخله الخاص. كان حلما مؤجلا. لم نتقابل رغم أني عرفت أن بيتها لبس ببعيد. أخذت بنصيحة خالي. لم أرد أن أغضبه، أو أني لم أرد أن أغضب الله كما قال هو. الله الذي سيجمعني بها يوما. كان الدين وقتها السور الذي يعوقني على أن أتلمسها. وأن أتنفس عبير أنفاسها. وأن أذوق شفتيها. كان الدين عائقا عن لقائنا وقت كانت الدنيا يسيرة للوصول، ثم صار نفسه الواعد بوصالنا بعد أن صارت كل الدنيا ترفض اللقاء. هل لابد للدين والدنيا أن يعيشا في خلاف؟ أ ولم يكن ثمة وسيلة كي يكونا على وفاق. سألت خالي. أجابني:
- الدين تحكمه الشرائع، والدنيا تحكمها المصالح والأهواء.
لما وعدني خالي بأن يزوجني منها احتضنته. كأنه أملي الوحيد بعد أن وقفت الدنيا كلها ضد وصالنا. وضعنا خطتنا سويا. قال إن لديه مكانا سريا بعيدا عن أعين السلطات وكاميراتها سيزوجنا فيه. سيكون وليها بعد أن حصدت الكورونا أباها. قال خالي إن زواجنا سيكون مباركا. وأن اتباع سنة الله في خلقه هي التي ستنجينا وتنجي البشر. 
كان قلبي ينبض بعنف حين صرت معها وحدنا.

-٤-

كان بطني يؤلمني إثر تلك اللكمة التي تلقيتها. أفقت لأجدني وحدي في غرفة صغيرة، عليها باب بدا لي مصفحا. 
وجدت أمامي ورقة مطوية وهاتف. فردت الورقة لأجدها قائمة التهم الموجهة نحوي. لا محاكمة إذن. قرروا عزلنا. والاكتفاء بسرد قائمة جرائمنا. كيف سيكون مصيرنا؟ 
التقطت الهاتف. لم يكن يخصني. فتحته. ثم انتفضت. 
على الهاتف صورة لزوجتي. نصف عارية. وقد بدا على وجهها أثر لكمة تحت عينها الباكية. أتاني إشعار رسالة " لا سبيل للقائها. إن أردت أن تستمتع فتمتع بها هنا"
يا للأوغاد! 
يرغمونها على التعري. لا وسيلة للتواصل معها. بكيت في حرارة. الملاعين. هل كفر البشر؟ هل صار يستحق الإنسان الفناء؟ أصابني دوار. نمت. وجدتها بين يدي. بكيت على صدرها، وهي تربت على وجنتي التي بللتها الدموع. اشتعلت رغبتي. قبلت شفتيها فبدت لي شهية كالكرز. قبلتها أخيرا، وقد كنت أمنع نفسي عنها حتى في أحلامي. 
أفقت فجأة على صوت إشعار جديد عبر الهاتف، وكنت في منتصف طريق الرغبة. فتحت الهاتف لأجد لها صورة جديدة، نصف عارية كتلك، وإن بدت وكأن عينها مفعمة بالإغواء. 
أمعنت النظر . سال لعابي.


****************

خالد العجماوي

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية