زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة بقلم: أ. عبد الرحيم خير / لقصة << قص تحت السيف>> بقلم:أ. مهدية أماني الرغاي






محاولة للتحليق في سماء إبداع أستاذتنا الأديبة مهدية أماني الرغاي وقراءة قصتها ( قصّ تحت القصف) 

من منطلق .
 أنا الأديب الألمعي
 من حي أرض الموصلِ
نظمت قطعاً زخرفت 
 يعجز عنها الأدبُ لي

وعلي غرار( صَوتُ صَفيرِ البُلْبُلِ ) القصيدة  التي ذاع صيتها واشتهر نسبها ونظمها إلى الأصمعي يتحدى بها الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور بعد أن ضيق على الشعراء ومنعهم نواله وعطاءه بحجة أن مايسمعه من الشعراء قد سمعه من قبل معتمدا على ذكائه وسرعة حفظه، فكان يحفظ القصيدة من أول مرة يسمعها ثم يدّعي بأنه سمعها من قبل،وفي كل مرة  وبعد أن ينتهي الشاعر من إلقاء قصيدته يقوم الخليفة بإعادتها من ذاكرته، وكان له غلام يحفظ القصيدة بعد أن يسمعها مرتين يأتي به ليعيدها  زاعما أنه سمعها أيضا، و كان له جارية تحفظ القصيدة من المرة الثالثة يحضرها لتشهد أنها أيضا قد سمعت القصيدة، وتشهد أيضا أنها سمعتها من قبل فتعيد القصيده وبذلك يحرم الشاعر العطاء لأن قصيدته ليست جديده وقد تكرر الأمر مع كل من تقدم لينال عطاء الخليفة  فأصيب الشعراء بالخيبة والإحباط وحرموا جميعا نوال الخليفة وعطائه ...
لكن الأديب الأصمعي علم أن في الأمر مكرا وخدعة فقرر أن يحتال له فأعد قصيدة غريبة الألفاظ صعبة المعاني ودخل مجلس الخليفة متنكرا عازما أن ينتصر لإخوانه، ألقى الأصمعي قصيدته الغريبة 
ونظر إلي الخليفة الذي بدا عاجزا عن حفظ القصيدة وإعادتها لغرابة ألفاظها وصعوبة نطقها واستعجام معانيها ، نظر الخليفة إلي خادمه وجاريته لكن حالهما لم يختلف كثيرا فلم يحفظا شيئا من القصيدة ، فأسقط في يد الخليفة وأمر للأصمعي بالعطاء الموعود وزن ما كتب عليه القصيدة ذهبا وكان الأصمعي قد كتبها على عمود من الرخام .....

وكما تحدى الأصمعي الخليفة بقصيدته تحدت  القاصة /الراوي الملك وجاريته بقصتها، فبعد حكايات شهرزاد والتي  زادت على ألف حكاية سمعها الملك ظن أنه أعلم الناس بالقصص والحكايات وأن أحدا لن يستطيع أنه ينازله ميدانا له فيه باع طويل، وبعد أن مل حكايات شهزاد الطويلة التي دائما تبدأها بمقدمات تستدر بها عطف الملك وتتوسل بها لرضاه، لتنجوا بنفسها من بطشه وتأمن من عقابه وتدفع بها غضبه فلا وسيلة لضمان حياتها إلا أن تستمر في القص وأن يطول القص ولا يكون لحكاياتها نهاية، مل شهريار حكاياتها  وكأنه تاق لسفك الدماء والقتل كأنه أراد أن يعيد تجربة التحدي، فاختار قاصة أخرى يظن بذلك أنه يعيد الكرة من جديد (لما نادى علي شهريار من دون كل القصّاصين،)

 رصدت الكاتبة في قصتها مشهدا يتكرردائما في بلاط الحاكم أو السلطان بين اتباعه ومعارضيه 
اتباع السلطان /شهرزاد التي لا ترد له أمر ولا تخالف له رأيا ولا تأمن علي حياتها إلا بالعمل علي  اكتساب رضاه بكل الوسائل والسبل،  تارة بالتمجيد وتارة بالتسلية وتارة بالنفاق والتجميل لوجهه ومواقفه المشوهة التي لا تليق بالحاكم أصلا وهو ما أدركته القاصة /المعارضة، وتجلى في معاملتها لشهرزاد (بادلتُها الشّزر وأضفتُ عليه الشّفَن تحدّيا)

مسرور / سيف الحاكم وسوطه المسلط علي رقاب العباد يرهب به من يخالفه ويستميل به ويخيف من يؤيده كي لا يفارقه ويخرج عن طوعه(  وفي لحظة أحسسْت ببرُودة نصْل سيفِ مسرور على وريدي)

المعارضون /  القاصة التي تحتقر المؤيدين أكثر من أحتقارهم لها وتتعجب من موقفهم  الذي يدفعهم لحب الحاكم  هذا الذي تشمأز النفس من منظره قبل مواقفه(تساءلتُ.. ماذا تحبّ فيه هذِه المرأة يا تُرى؟)

عبر عنوان القصة بداية عن هذا الصراع وهذا الضغط الذي يتعرض له الطرفان علي حد سواء على اختلاف مواقفهم (قص تحت السيف) الطرفان يمارسان نفس الفعل المؤيد والمعارض حدث القص شهرزاد /المؤيدون تمارس حدث القص على طريقتها ؛ حكايات طويلة هدفها تسلية الحالكم وتمجيده وموافقته في كل أفعاله وهي وسيلتها الوحيده للحفاظ علي حياتهاالمهدده، رضيت بهذا الدور ولا تحاول منه الخلاص وحلمها الوحيد أن يظل الحاكم  يشتاق لحديثها لايمل منه  ولا يستغني عنه حتى لاتكون نهايتها، وعليه فإنها أصبحت تابعة له بإرادتها  تجلس تحت تخته ( توجست خِيفة وأنا أُدخَلُ إليه، رمقْت شهرزاد مكوّرة في مَسْكنة جِوار تَخْته صامته) 

القاصة /المعارضون من البداية حددوا مواقفهم في بغض الحاكم وقرروا عدم الاستسلام له ومعارضته وإن كلفهم ذلك حياتهم وهم لن يسيروا على طريقة المؤيدين فلهم طريقتهم ومواقفهم ولهم طموح يدفعهم نحو الحرية والتغيير والخلاص(تأكّدت أنّني هالِكة لا محَالة إن لم أجد لي مخرجَا من هذه الورْطة)
كان أول طريق الخلاص والتغيير الذي بدأته المعارضة  هو تغيير طريقة الخطاب القائم على التملق ومواجهة الحاكم بنفس طريقته ( اسمعوا إذن وعوا ..عوا ..عوا..عوا .... تعمّدت تكرار كلمة العُواءِ ردّا على إهانةِ البنص) كذلك تغير طقوس التمجيد والتزلف التي اتبعها المؤيدون عند محادثة الحاكم (دخلتُ رأسَا في القصّ بدون مقدّمات ولا أيّها الملكُ السّعيد ولا يا صاحِب الرّأي السّديد ولا مدّدت له عُمرا) وأخيرا استبدال نظام التبعية والموافقة إلي نظام المعارضة وهو ما يُجرّم دائما في بدايتة فيظنه الناس تبجحا وغرورا وتطاولا ويوجهون له دائما أصابع الاتهام ويتهمونه بالعمالة ويتخذون منه موقفا عدائيا، وهكذا تقابل كل خطابات الثورات ودعوات التحرير في بدايتها .. 
(استوقفْتُ واحدة منْهن، لمْ يُحبها المتصفّحون وانهالتْ عليّ الرّدود كالسّيل تُدين إغرابَ معانِيها، وغموض كلِماتها ويرمُونني بالغُرور الأدبي، والتبجّح الثّقافي، وإرادة الظّهور واسْتغباء القارئ)

( ضربة شمس ) ق.ق ج والتي تحدت القاصة الحاكم فيها إن فهم الحاكم مغزاها أصبحت أسيرته وإن لم يفهم مغزاها حررها وتركاها وشأنها، ولأن الحاكم قد تعود علي طريقة واحدة هي طريق المباشرة والسرد المطول لم يفهم مغزى قصتها والتي لم تكن إلا تلخيصا للواقع ووصفا لحال التابعين للنظام والمعارضين له وطريقا للخلاص من أسره وهيمنته واستعبادة  للجميع، وقد عنونتها القاصة ب
( ضرية شمس ) وضربة الشمس هي حالة مرضية تنشأ عن تأثير أشعة الشمس الحادة وقد تؤدي بالمريض إذا لم يسعف إلي فقدان الوعي أو غيبوبة طويلة  ..وضربة الشمس ماهي إلا الظلم الذي أحكم قبضته ووطأته علي رقاب العباد فلا يستطيعون منه الخلاص فمنهم من أرهبه الظلم وملك نفسه فعاش مغيبا تابعا في زمن اشتد ظلمه وغمه (ذات يوم أرُونَان، أطبق عليه الرٌّون )  كحال شهرزاد ومسرور، ومنهم من  يتمنى الخلاص ويسعى له/المعارضة  (  فتمنى لو أن الشمس ذهبت لمراحها، لتهب عليه رَوح الشمال )
وقد تجلت نسائم الحرية لهؤلاء الذين نشدوا التغير فطارت عقولهم وثاروا في وجه الظلم (في لحظةِ تجلت له ريحانة الرَّادَة، رَوشَ عقله وطار
وراء عطر الياسمين) وقد عبرت القاصة بقصتها ق.ق.ج عن هدفها وهو مالم يفهم الحاكم /شهريار مغزاه فكانت نجاتها من قبضته هي بداية حقيقية للخلاص من سطوته المتمثلة في مسرور سيف الحاكم المدافع عنه والذي سددت القاصة /المعارضة ضربة إلي عينية مباشرة بعد أن ثبتت أقدامها واستعادت توازنها وارتكزت علي قدميها وكانت هذه الضربة انتصارا آخر يضاف لرصيد المعارضة وبداية  مبشرة في طريق الثورة والتحرير....

إن كانت الكاتبة قد أبدعت أولا في جانب السرد
  واختيار الكلمات  فإنها أبدعت أيضا في توظيف ال ق.ق ج   ضمن قصة قصيرة كانت  بأحداثها وأبطالها شيفرة لفك رموز ال ق.ق ج وبيان معناها الخفي .
في النهاية لا يسعني إلا أن اتقدم بالشكر والتقدير للكاتبة علي هذه القصة الماتعة وهذه الصياغة والحبكة المتقنة وهذه اللغة الرصينة التي امتعتنا الكاتبة بالبحث في معناها ومغزاها ...



------------------------ 
قصّ تحت السّيف.
.
.

لما نادى علي شهريار من دون كل القصّاصين، استغْربت الأمْر، فلسْت أبدعَهم ولا أتقنَهم لهذا الفنّ، توجست خِيفة وأنا أُدخَلُ إليه، رمقْت شهرزاد مكوّرة في مَسْكنة جِوار تَخْته صامتة تنظُر إليّ شَزرا، تقيسُ طولي وعرْضي وتتمعّن في ملامِحي الأمازيغية، بادلتُها الشّزر وأضفتُ عليه الشّفَن تحدّيا، طاف طيْف ابتسَامة ساخِرة على طرفيْ فمها المرسُوم بدقّة، أما شهريار فبقيَ يمسِد لحْيته الكثّة ويرنُو إلى زخارف السّقف في استخفاف باد ٍ، كرِهته كما كرهتُ عجْرفته وعجِيزته السّمينة المتربّعة على طُنفُسِ الدّمَقْس، تساءلتُ.. ماذا تحبّ فيه هذِه المرأة يا تُرى؟ .بادرني بقسْوة وفظاظة لا تليقان بمقَام السّلاطين :
- هاتي، يا امرأة وأوجزي، فقد مللْتُ الحكْي الطّويل..!
لكنني أبيتُ أن أنطق حرفا ..وطال صمتي،صدرت عنه إيماءَة خفيفة لمَن خلْفي، وفي لحظة أحسسْت ببرُودة نصْل سيفِ مسرور على وريدي، تململتْ شهرزاد كأنّها تريدُ أن تقول شيئا، عَالجتُها بغمْزة صغيرة، أنِ اصمُتي فمكانتكِ على المحكّ، لكزني "المسرور"الغاضبُ بعقْب السيف في خاصِرتي، تأكّدت أنّني هالِكة لا محَالة إن لم أجد لي مخرجَا من هذه الورْطة، مرّت كل قصيْصاتي في خُلدي ققجاً وومْضا وهايكو وشذرات، استوقفْتُ واحدة منْهن، لمْ يُحبها المتصفّحون وانهالتْ عليّ الرّدود كالسّيل تُدين إغرابَ معانِيها، وغموض كلِماتها ويرمُونني بالغُرور الأدبي، والتبجّح الثّقافي، وإرادة الظّهور واسْتغباء القارئ، ودفعِه لتصفّح صفحات القواميس الصّفراء، والخال غوغو، وعمّتنا الغولة، فرسَيْتُ عليها وقلتُ في اعْتزاز وبدون اسْتعمال ألقَاب، وأنا أنظر في أم ّعين الشهريار:
- سأحكي قصة قصيرة جدا واحدة، إن فهمُتوها، أتعهّد أن أبقَى هنا للأبد، وإن كان العكْس، أريد وعْدا قاطعَا منكم أن أعُود من حيْث أتيتُ سالمةَ،حرّك بِنصَره ..لم أفهم الإشارة، فلِلملوك فيما يبدو عادات غريبة.
- اسمعوا إذن وعوا ..عوا ..عوا..عوا
تعمّدت تكرار كلمة العُواءِ ردّا على إهانةِ البنصَر، ولو قام بحركة أخرى لا تعجبني لكَان لي معه شأن آخر ، حتى لو دفعت الثّمن عنقي، تحسّسته، ودخلتُ رأسَا في القصّ بدون مقدّمات ولا أيّها الملكُ السّعيد ولا يا صاحِب الرّأي السّديد ولا مدّدت له عُمرا.
-0-
ضربة شمس
ذات يوم أرُونَان، أطبق عليه الرٌّون ..
فتمنى لو أن الشمس ذهبت لمراحها، لتهب عليه رَوح الشمال 
ببرد نسائمها، وينسى وقع الزمن الأرُود،
في لحظةِ تجلت له ريحانة الرَّادَة، رَوشَ عقله وطار
وراء عطر الياسمين..
-0-
أنهيتها ب "تمت بحمد الله" ..كي لا ينْتظر اسْترسالا كعادَته مع شهْرزادهِ.
ولأول مرّة ، أراهُ يسْتوي على مُقعدته الضّخمة، يقبِل عليّ بجِذعه وينْظر إلي بعينين سرحت فيهما شبكة خُطوط حمْراء وتشعّبت، ظلّ يفكّر لمدّة غير قصِيرة ويضرِب كفّا بكف في عصبية ظاهرة، يهمْهم ويدمْدم ويقمْقم، التفتَ أخيرَا لشهرزاد التي امتقع لونُها وغاضَ صفاؤها، وعلى وجْهه سُؤال بجحْم أحْناكه،هزّت كتفيْها وأنزلتْهما وقلَبتْ شفتَها السّفلى، ثم نظَر إلى السّياف فسمِعت صَليل الحَديد يخْرج من الغِمْد أغمضْت، رفعت سبّابتي وتشهّدت..
خار كالثور :
- أخرِجوا هذه المجْنونة من إيوَانِي ، لا أريد رؤْيتها هنا ثانية..
ورمى عليّ بكيس له رنين، عزّت على نفْسي ولمْ أرتَضِ الانْحِناء لالْتِقاطه، فقد اخترتُ ميدانا لا يدرّ على صاحِبه شيئا غيْر بعْض التّقدير يصُون له كرامته، خافَ مسرور أن ينقلبَ غضب الملك عليْه لتلكُّئِه في تنْفيذ الأمْر، غرزَ في الكيس طرَف السّيف ورفعَه في الهواء، ولبُرهة تخيّلتُه رأسي، سبقَني في دهاليز غير التي دخَلنا منها، فتَبعْتُه إلى أن وجدتُني خارج الأسْوار، قذَفني بالكِيس وأتْلاهُ بشَتيمَة أظنّه تعلّمها من أحَد الخِصْيان ، التَقفْتُه في الهواء، ارْتكزْت جيّدا على قدميّ، تذكّرتُ أنني كنْت في عزّ شبابي لاعِبة كُرة يدٍ مميّزة، سدّدْتُ وأطلقْتُ ..ذهبَهُم الوسِخ على عيْنه مبــــــــاشرةَ

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية