زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

سقط العدوّ _ بقلم: أ. الطيب جامعي








قصة قصيرة

   سقط العدوّ...


****************



" الشرطة ... الشرطة ..." 


و في لمح البصر أضحى المكان خاويا على عروشه. أزواج من الأحذية المتناثرة ... لفافات... علب سجائر ... صناديق كرتونية مبعثرة...
" اللعنة . اللعنة ...أين هم؟ ".
 كان يزمجر في وجوه أعوانه المنتشرين توّا في زوايا مختلفة من النهج الضّيّق و الرّذاذ يتطاير من بين شدقيه. تقبّل أعوانه الأمر باشمئزاز. لا أحد بإمكانه الاعتراض. أشرطته التي تزيّن كتفيه و قبّعته أكثر من أشرطتهم. ودّوا لو أنّ الأرض انشقّت و ابتلعتهم أو ابتلعته. إلى متى و هم بين كرّ و فرّ. ملّ بعضهم أدوار البطولة في هذه المسرحيّة الرّتيبة. تساءل رائد و كان حديث عهد بالوظيفة:" لا أدري لِمَ لا توفّر لهم الحكومة أسباب العيش الكريم فتريحهم و تريحنا". فاندفع "جاد" رئيسه المتمرّس بالعمل مؤنّبا:" غبيّ ... و أحمق... و ستظلّ كذلك إلى الأبد."

تعوّد صاحبنا على استفضال بعض الدّنانير من هذه المهنة، على ما فيها من امتهان لكرامته، فلا يجيد غيرها... انتشرت العيون في كلّ زاوية. الوضع آمن. أعاد "قدّورة" فتح علبة الكرتون التي معه من جديد، و أخرج البضاعة. وزّعها على مناطق متفرّقة من الرّقعة. و ما كاد حلقه يلجلج ببضع  كلمات تعوّد عليها الزّبائن حتّى انقضّوا عليه بصلف. قهقه جاد قائلا:" كمين محكم". زاد عون آخر:" سقط العدوّ" و ردّد ثالث:" حثالة... حثالة...".

فتح العون المحضر. أوراق ....و أوراق... دوّن الرّئيس : بفضل حنكة رجالنا، و عملا بالواجب في الدّفاع عن الوطن، و ضربا على أيادي الدّخلاء و المضاربين و المتاجرين في السّوق السّوداء المخرّبين للاقتصاد الوطني، و ... و ... و...  تمّ إلقاء القبض على المدعوّ عبد القادر بن الصّادق بن... بن...  شُهِر "قدّورة" و حَجْزِ كلّ الممنوعات. ثمّ دوّن بين قوسين، و قد أرادهما أن يكونا كبيرين بحجم المخالفة المرتكبة: أقلام... علب سجائر... دبابيس... ولّاعات... كان في كلّ مرّة يستحثّ العون لتذكيره بالمحجوز. و لمّا لم يجد شيئا آخر يدوّنه راح يملأ الفراغ بأسماء الأعوان الذين ساهموا في القبض عليه و هو يمطّط الحروف و الكلمات.

و كعصفور في فخّ انكمش "قدّورة" في مكانه. ترجّاهم بصوت مرتجف إرجاع بضاعته مورد رزقه. استعطفهم بأبنائهم. توسّل إليهم بكلام لو سمعه الحجر لَلَانَ و لمّا يَفتَّ فيهم. ضحكاتهم الصّفراء و غمزاتهم قضت على كلّ حيلة لديه، فسكت...
اقترب عونان منه، و راحا يحاضران عن تخريب هذه الأنشطة للاقتصاد الوطني و تهديدها لمواطن الشغل... و كان جاد في كلّ مرّة يمّن ما يقولانه. أنصت "قدّورة" على مضض... فار الدّم في عروقه. لم يعد يحتمل؛ و دون أن يدري انفجر في وجهيهما:" تريدون أن تفهمونني أنّ ما أبيعه أنا و أمثالي سبب البليّة في البلاد... إليكم عنّي... إليكم عنّي... لماذا لا تمسكون بالمخرّبين الحقيقيّين؟! ألا تعرفونهم؟! أنتم تعرفون...". لم يتركوه يتمّ حديثه. و كالمصعوق زجره رئيس الأعوان "جاد" بقوّة:" اُصمت... حثالة... أوباش... تبيعون و تربحون... و لا تدفعون الضرائب...". همّ بالرّدّ، أراد أن يقول له بأنّ ما يقبضه لا يكفي لشراء سيجارة من تلك السجائر التي يدخنها الأعوان، و أنّه بصعوبة يستطيع تأمين طعام لأطفاله الخمسة... أراد أن يقول أشياء كثيرة...

و على المكتب أمضى مكرها على المحضر... و لم يجد بُدّا من الانصياع صاغرا لدفع كفالة للخروج. لا يستطيع البقاء يوما واحدا دون عمل
و هو يهمّ بالمغادرة وقع نظره على "الرّوج" و هو في حديث ودّيّ جدّا مع الرّئيس. كان جاد يعتذر له عمّا سبّبه له أحد الأعوان المبتدئين. كان يتحسّس جيبه مؤكّدا له أنّ وضعه سليم، و لا يحتاج إلى تحقيق في تجارته. 

ضحك "قدّورة" بمرارة... ضرب كفّا بكفّ... واصل طريقه. همهم:" الظّاهر أنّ الرّئيس هو الوحيد الذي لا يعرف فيمَ يتاجر". ثمّ أضاف بحرقة:" أ و هناك من لا يعرف "الرّوج" و فيمَ يتاجر؟!".



  **************

   الطيب جامعي/ 

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية