ترانزيت..
بقلم: أ.مرام
مثل الابن العاق أتعامل مع ذاتي بجحود، لم أتجرأ يوما على الإنصات لنفسي، كل ما أفعله هو معاملة أفكاري على أنها جنون غريبٍ قادمٍ من ما وراء البحار، ثم أضعها في صرّة، أحكم ربطها وأقوم ببلعها لتستقر في القاع حيث يستحيل أن تطفو على السطح، كنت أسمي حربي هذه بالسلام الداخلي ..!
استيقظت اليوم على طنين مزعج له لسان يلسع، طلب مني الاتصال بأمي لأخبرها أنني متصالحة مع أقدار الله فكل ما يأتي من عند الله مرحبا به، ولكن الذي يخيفني حقا هو سكين الغدر ؛ قمت مفزوعة غير قادرة على بلع ريقي فكيف بصرّة، حملت هاتفي وما إن هممت بالإتصال حتى تذكرت أنّ أمّي ميتة- رحمها الله-..
تبا لك من طنين يرسل رسائل للأموات، ثم من ذا الذي يطعنني في ظهري؛ صحيح لست محبوبة الجماهير، ولكنني أيضا لا أكسب العداوت، فأنا مسالمة جدا اإلا مع ذاتي !
فجأة توقف الطنين عن اللّسع؛ أشعر أن كل شيء حولي هادئ ، هادئ بشكل مريب ، وكأن الجميع قد رحل حتى زوجي ذهب إلى عمله وأنا نائمة؛ فتحت الشرفة لا أحد في الشارع كل الأبواب والنوافذ في المنازل المقابلة مشرعة، ولكن أين النّاس، حتى العصافيرتوقفت عن الزقزقة، تجاهلت الأمر بداية، مرت الساعات ولا أثر لحي يدبّ على الارض..
دقّت الساعة الثانية عشر بعد منتصف ودق معها ناقوس الفزع لدي ، حاولت الاتصال بكل أحد وأي كان ولكني لم أفلح ..!
داخلي يتآكله القلق وأنا اتنقل بين الشرفة وباب العمارة في مسعى منتظم يشبه إلى حد بعيد سعي أم إسماعيل بين جبلي الصفا والمروة وهي تنشد عابرا .
أشرقت شمس اليوم الثاني ، انتعلت حذاء رياضيا وانطلقت أجوب الشوارع كانت سيارة زوجي مركونة في المرآب طرقت أبواب الجيران أهلي أصدقائي ناديت بأعلى صوتي مشيت إلى وسط المدينة المستشفيات، الميترو، ومراكز الشرطة لا أحد!
لقد غادر الجميع وبقيت وحيدة أقف على أطلال مدينتي وهي خاوية على عروشها ..! هل تخلى عني الجميع ؟أم انا التي تخليت عنهم؟ ربما أنا التي غادرت إلى أرض تشبه أرضي ولكن بلا عشيرة؟ الحيرة شلت تفكيري، أشعر أنني في دوامة غير متناهية هل يجدي الصراخ أم العويل أم أستسلم للصمت والسكون المرعب.. !؟
اليوم الثالث: هائمة على وجهي بلا وجهة، أسمع تلاحق أنفاسي اللاهثة ، و وقع خطواتي المتسارع على الأرض، زفر الريح وهو يرتطم بكل ذرة من كياني حتى دموعي بات لها وقع مدوي، مرهقة إلى حدّ التلاشي، اليأس أصبح نديمي وسقائي ، ضاقت علي نفسي مثل أسير في شقائه مغلل، أطبقت عليه جدران سجنه الانفرادي..
من كان ليصدق أن عناقات الوداع والنظرات الأخيرة ستصبح يوما ما نوعا من أنواع الرفاهية .. !
اليوم الرابع : حملتني قدماي إلى الجُبّانة حيث ترقد أمي وبجانبها أبي، لعلني أجد ما يعينني على تثبيت قدماي في الأرض.
الجدور و الانتماء كل ما نحتاجه حين نقع في أتون الحيرة.. مساكين أبناء الخطيئة، ليسوا على شيء حتى وإن ملكوا كل شيء، لذلك تجدهم يميلون مع كل صيحة ..!
عند قبر أمي بكيتها وأبي وماضي العزيز وبكيت حاضري الذي يكسوه الرماد وكاني قد اقمت مأثما ليس لي فيه عزاء ولا لغمتي جلاء، ثم طفقت عائدة أحمل في جوفي همهمة المستقبل ..!
اليوم الخامس: شعثاء منهكة لا يمكنني تحريك جسدي بل وحتى بصري ، لقد أصبح الفراغ الذي يحيط بي يسكن داخلي،عقارب الساعة تخدشني بحدّة، وروحي تنزف من كل مكان..
ربما شلال ماء دافئ يعيدني للحياة، سدلت شعري وهو يتقاطر بللا، رسمت شفاهي بالأحمر القاني، نظرت إلى نفسي في المرآة... آه يالك من قطرات شقية تريدين مراقصتي على وقع الفراغ!
كن لبقا وأخبرني يا سيد طنين هل أبدو جميلة؟ تبدين فاتنة، بل ماجنة !
لا أعلم لماذا لم أستخدم كثيرا هذا اللّون في حياتي السابقة، واليوم أرغب في وضع الأطنان من المساحيق هل تُراني أشعر بالنّقص، أم هي عقدة الارتياب، وربّما أريد أن أختفي خلف السّراب؟ لو تعلم يا سيد طنين كم أشعر بالجوع في هذه اللحظة، إنني نهمة أتوق لكل شيء ..!
اليوم السادس: استسلمت لك أيها الطنين هاك القلم وصفحة الزمن، أكتب ما شئت لن أكبح جماحك ولم يعد هناك من داع للاعتراض، فقد غادرنا حرفنا المقدس منذ أن اتخذناه زخرفا و زينة، إنّك حرّ فقط كن أمينا، وإياك والرداءة فهي خطيئة لا تغتفر.. الوصية!
[ ] اليوم السابع: عند ذات النقطة أقف واجمة أتأمل أسفل المنحدر؛ بالأمس وأنا طفلة كانت أمي توبخني تسحبني من موقفي هذا، تخشى على حياتي من الهلاك والتردي في الهاوية، اليوم أدركت أن الحياة هبة و عبء لا يمكنني تحمله وحدي .
