عابر سبيل، يطلق ضحكات كبيرة
1 (بروكلي وليس بروسلي)
****************
في وقت متأخر، وعندما كان الأرق الكريه يصاحبني كظلي، رن هاتفي، إنها هي حتما! وجدت رسالة منها عالفايبر تقول فيها؛ _شلونة حبيبي الكاتب! ليش سهران!.
وجدت نفسي أتهيأ للرد عليها، لكنها لم تمنحني فرصة لألتقاط أنفاسي،كانت سريعة في الكتابة، وبدت رسائلها غاضبة، حاولت طمأنتها على صحتي ،وأكدت لها بأني محبوس في غرفتي، عندها هدأت حروفها وكتبت :
-بكرا لازم تشتري بروكلي، ثمنه زهيد، لكن فوائده عجيبة، مو تنسى! كيلو بروكلي.
تباطأت في الرد عليها، كنت قد سمعت بهذا البروكلي من قبل، لكني لم أذقه في حياتي، أتذكر أنه من عائلة القرنبيط أو شيء من هذا القبيل، شعرت بالخجل حين فكرت بالاستفسار منها عنه، قد توبخني كعادتها، وكأنما شعرت بترددي، أرسلت لي صورة البروكلي بلونه الأخضر الفخم، ثم ألحقتها بصورة أخرى له، وهو مغمور لمنتصفه في الماء بقدر متوسط الحجم، ثم أرسلت تحت ذلك كله صورة إيموجي وهو يخرج لسانه، دلالة الطعم اللذيذ ! علت الابتسامة ملامح وجهي ووجدت قلبي يخفق بشدة.
آه.. لطالما أسعدتني برسائلها التي كانت خير حافز لي في مواصلة مشوار الحياة المتعبة.
توالت كلماتها على الفايبر مثل طلقات الرصاص؛
_ نغليه بالماء، نضع الملح فوقه، ننتظر حتى يذبل، كنت فقط أتابع كلماتها وأرد بكلمة واحدة تتراوح بين إي مرة ونعم مرة.
كنت في أثناء ذلك أبحث عن فرصة مناسبة لصب كلمات الغزل وكأنها بجانبي.
ياربي، أقسم بأني كنت أستطيع شمها والشعور بها والقبض على أصابعها البيضاء الرشيقة.
الخبيثة لم تمنحني فرصة، لكنها عادت وسألتني إن كنت ما أزال أدخن! كتبت وبسرعة رهيبة قائلا وكأنها تقف فوق رأسي؛
-لا، تركت التدخين منذ حوالي الأسبوع.
لم تنطوِ كذبتي عليها، فأرسلت صورة إيموجي ينظر بطرف عينه، وثمة ابتسامة سخرية ترتسم بصورة واضحة في زاوية فمه، رفعت رأسي وأخذت أتلفت يمنة ويسرة، تنهدت بقوة وحمدت الرب أنها لم تكن هنا، وإلا لشاهدت آثار الجريمة المتوهجة بين أصابعي.
2(شارلي شابلن)
*********
كان العريف المصلاوي ذي الوجه الأحمر والشاربين الأسودين كالفحم يمشي أمامنا بصورة مستقيمة، كنا ستة شبان من ضمن العشرات ممن أرسلتهم الدولة لقضاء فترة العطلة الجامعية في التدريب.
لم يكن بوسع أي أحد الاعتراض ،وكان هذا الأمر يحدث في نهاية كل عام دراسي، حتى أننا في النهاية تعودنا عليه وانتهى الموضوع.
كان العريف شبيه الطاووس يمشي بخفة وهو يحمل سلاحه ساندا إياه على كتفه، والعجيب أن رفاقي الخمسة كانوا يحاولون تقليده في كل شيء، حتى في حبات العرق التي كانت تسيل على جبينه!
أما أنا فقد كنت مختلفا عنهم، فقد شاء حظي أن أكون فكاهيا مرحا، ولاحقا دفعت ثمن فكاهتي اللعينة هذه وبامتياز.
كنت أحدق في ظل العريف وهو يسير أمامنا، وكانت حبات العرق تتجمع بصورة سخيفة على جبيني، ثم تنزل شاطرة نفسها إلى مجموعتين، واحدة تداعب أرنبة أنفي، والأخرى تخرق عيني مما كان يجعل من وجهي مسرحا لعمليات عدة، فالأنف يرقص والعين تغمز، ولم يكن وضع رفاقي الخمسة بأفضل مني بأي حال من الأحوال.
_ قف
دوى صوت العريف بقوة حتى كاد أن يخرق أذني، توقفنا جميعا، حتى أننا كدنا أن نصطدم ببعضنا البعض، التفت صوبنا بعد أن لوى رقبته وجسده بشكل فاتن ومتناسق، قال :
-تهيؤوا، خذوا نفسا عميقا، إنها فرصة، لن تجدو مثل هذا الهواء الطيب بغير الموصل.
أخذنا نسحب الهواء من حولنا، كنا نفعل ذلك ونحن نحرك وندير الأكتاف والأعناق بصورة سريعة وإن بدت مضحكة.
_ ثابت
دوت هذه الكلمة، كانت قادمة من فم العريف المزموم، راح يتفحص وضعية بنادقنا وأخذ يدور حولنا ثم أولانا ظهره ودوت كلمته السريعة وهو يمطها مطا؛
_ سر.
عاد العرق الكريه يتصبب على جباهنا، حاولت ترقيص حاجبي قدر الإمكان في محاولة مني لإبعاده، لفت نظري ظل العريف الصارم، لا أعرف كيف تذكرت شارلي شابلن اللعين، هيأت نفسي وأخذت أقلد حركته المثيرة، دفعت بمؤخرتي للخلف بصورة بارزة ونفخت صدري وأخذنا نتراقص أنا والبندقية بمشية عسكرية لا أول لها ولا آخر!
حاول رفاقي كتم ضحكاتهم التي فلت أغلبها، فانطلقت مخترقة أنوفهم بشخير لفت نظر العريف، وجدته يهتف ب(قف)، ويلتفت بسرعة، قطب حاجبيه، كان ثمة نقطة عرق كبيرة، تجمعت بشكل بارز في منتصف جبهته، فجأة ابتسم بوجهي كما لم يفعل ذلك من قبل، قال؛
-ضع سلاحك أرضا
نعم هكذا، افرد ذراعيك الآن للأمام، والآن تعالوا يا أولاد، رفيقكم البطل هذا سيحمل عنكم بنادقكم جميعها.
شعرت بأن عيني كادتا أن تبرزا من محجريهما، كدت أن أبكي من شدة الوجع الذي انبثق من صدري، رحت أحدق في العريف تارة وفي ذراعي المرتعشتين تارة أخرى، توقفت عن التنفس، كان الوجع لايطاق، مشى العريف وتبعه الرفاق الخمسة، حاولت اللحاق بهم.
تبا، ليس أكثر من خطوتين! وجدته يعود ويدور حولي هامسا بفحيح تخلله ضحك كريه:
-البندقية شرف، أنت تحمل شرفك وشرفي وشرف رفاقك، عليك أن تحافظ على ذلك.
غمرتني فجأة موجة ضحك كادت أن تفلت من فمي، أخذت ألهث بصوت مسموع ورحت أسعل، تخيلت شرف الجميع يهوي من بين ذراعي!
_قف
دوى صوته وقال :
-بسرعة، ليأخذ كل منكم بندقيته، أقصد شرفه!. لا أعرف كيف واصلت السير خلف العريف ورفاقي، لكن خيل إلي أنه كان أحيانا يرمقني بطرف عينه وكأنه يقول:
-هل تعلمت درسا؟
أم تراك تطمح بالمزيد.
العجيب في الأمر أنني مع مرور الوقت، ونحن نمشي في طريق العودة، أخذت أسير بشكل متناسق وبصدر منفوخ للأمام، شعرت بأن مشيتي العسكرية هذه قد أصبحت أفضل حتى من مشية الطاووس والعريف معا!!.
( تمت)
********
رعد الأمارة
