《بعْثٌ》
******
رفَعَت السّماعة بعد رنين طويل، متثاقلة كجسد فارقته الرّوح...
-ألو، نعم!
--مرحبا...
-أحقا أنت المتصل، أم أنها أوهامي مجددا؟
--بل أنا يا حقيقتي...
-أتقصد لعبتك الحقيقية، دميتك التي تكلمت معك ونطقت بحبّك؟
--بل أنتِ كل واقعي حقيقتي وكنهي وماهيتي...
-أممم صدَقتَ إي والله؛ كنتُ كذلك وأكثر، لم أكذب عليك يوما، لم أزيّف شعورا، لم ألفّق قصصا، لم أدّعي طُهرا ولم أصطنع وعودا...
كنتُ دائما حقيقة لا أكثر
--أُدركُ أنني خُنت عهدا ووأدت حلما، أدرك أنني أبدْتُ جحافل فرحٍ، وأعدمتُ ربيع عمرٍ، أدرك أنّني قسوتُ، آلمتُ جرحتُ، ظلمتُ، أجحفتُ، أبكيتُ، أجرمتُ وعانيتُ العذاب، الفراق، الاشتياق، الحنين، الوُجد، الظلام، الضياع والغرق...
-صدّق أنني لم أجد إلى نسيانك سبيلا، ولم أستطع عليك صبرا، ولم أحِط بغدرك علما؛ إلا أنني اعتمرتُ إلى محراب عشقك كل ليلة، وطُفت حول قلبك الأسود حبّا، توظأتُ بماءِ جنونك، وسعيتُ صبابة بين حلمٍ ووهمٍ، نسيتُ خافقي على رمال شطآنك السوداءِ، وأبحرت في لجِّ كبريائك العنيد، ارتدتُ على آثاري أقصُّ فؤادي، وجدتُ فُتات فتاةٍ وبعض الرُّفاتِ...
--أتدرين أنَّ الحياة بعدكِ مماتُ وأنّ الحبَّ لغيركِ كفْرٌ، وأنّ العيش بدون صوتكِ انتحارُ، أتدرين أنّ أراضي غيركِ جرداء، والعلياءُ في غيابك تعلنُ الحدادَ، فيبهتُ القمرُ وتنطفئُ النجومُ...
أتدرينَ أنّ الزهور فقدت شذاها، وأُخرِستِ العصافير، وأصبحت كل الأحاديثِ صمَّاءُ...
-ليت الزّمان يعود لأحبّك من جديد، وألقي نفسي في غيابات جبِّك، وأضيّع على السيّارة الطريقَ...
ليتك تعود فقد اشتقتُ لوعودك العرجاء وأكاذيبك العمياء...
ليتك تعود وتحفر في القلبِ أخاديد البقاء، لتسيل جداول اللقاء...
--لم أرحل، ولكنّ غاب عن سماء أرضنا نجم اللقاء، وحامت فوق حديقتنا غربان الفراق...
لم أرحل، ولكن صفّدتني سلاسل الواقع، وكبّلتني طلاسم التّقاليد...
لم أرحل لكن دمرتني ألسن الحاقدين، وطمستني أعين الحاسدين...
لم أرحل، لكنني دُفِنتُ حيّا في عينيك...
-ألا إنّ بعض الأماني إثم عظيم...
ألا إنّ بعض الأحلام تموت في رحم واقع عقيم...
ألا إنّ بعض الحبّ عذاب أليم...
ألا إنّ بعض أنفاسك عهدٌ جديد...
******
سهيلة مهداوي
