أصابني هذا النص بالدوار. جعلني أشعر أنني داخل حلم ما، حلم مزعج حيث أن فيه الجماجم، و الغربان، والسياط، وحتى العفاريت! غير أن مثل هذا العالم يجتذبني أحيانا. حيث تلك الغرائبية الساحرة الزاخرة في النص، تستفز قارئا مثلي كي يعمل فيها خياله وفكره.
أراد الكاتب أن يعيش قارئه جوا من الأحلام. حيث سافر عبر الزمن من خلال بعض المترادفات المتناثرة. أسماء مثل مارك زوكربرغ. وذي نواس. كما أن استخدام السجع أحيانا، والجمل متناسقة الطول أضاف للنص طعم الأساطير الحالمة.
يتضح للقاريء منذ الفقرة الأولى أن الكاتب قد أراد أن يسلك طريق الرمز والإيحاء للوصول لمأربه؛ حيث نفهم أن ثمة محكمة لجانٍ ما، وقاض يسائله عن جريمته. بيد أن ثمة عفريت يخرج من داخل الجاني هذا. يحضر المحاكمة بل ويشارك فيها. نفهم كذلك أن التهمة عجيبة، حيث أن هذا القاضي يحاكم المتهم لأنه قد رضي بالظلم، واستكان له. كما أنه اعترف على نفسه بذنوب لم يقترفها. فكان عند القاضي رجلا مذنبا، بل ويراه مستحقا للعقوبة.
أظن أن طرف الخيط ها هنا. إذ أن غرائبية المحاكمة والتهمة تشيان بأننا أمام محكمة داخلية في نفس ذلك المتهم. والذي يبدو أنه في الحقيقة رجلا مظلوما، لم يقترف جرما، ولا إثما، ولكنه آثر الاستسلام والخنوع لجلاديه، فاعترف على نفسه زورا علّه يسلم من العذاب والسياط. ولا أجد رمزية لذلك القاضي تقنعني سوى أنه ضمير ذلك البريء نفسه، إذ يؤنبه على خنوعه واستسلامه. يسأله منذ الفقرة الأولى : "فيما تفكر؟" كأنه يسأله: كيف وصل بك الفكر إلى هذا الخنوع والاستسلام؟
يدافع البريء عن منطقه أمام ضميره. يقول إن ثمة قاض في السماء سوف لابد ينصفه. وأنه يلجا إليه في الأخير. يقول النص: " -عَلِمْتُ أنَّ في السماء عدالةً، فأردْتُ رفْعَ قضيَّتي إليها سيادة القاضي"
يبدو لنا أن ضميره الخاص لم يرض ولم يستسلم. بل إنه يجد في استكانته هذه سببا في طغيان الطاغي، وفي تعذيب الأبرياء.
يقول الراوي: "وغشت خياشيمَهُ موجةٌ من قَتَارٍ، تفوح من قَصَبِ البشرِ، وأقتابِهم المحترقة، أشاح بوجهة يمينًا ثم شمالًا، حاول إغلاق أنفه،"
يبدو أن ثورة كادت أن تفور في القاضي (الضمير) حين تذكر الأبرياء الذين ماتوا ظلما، "غير أن مطرقة ذي نواس قد هوت على ميزان العدالة!"
ومعلوم أن ذا نواس هذا قد أسرف في قتل المعارضين له من أهل اليمن قبل ظهور الإسلام، في إشارة رمزية إلى وحشية الجلاد عبر العصور والأزمان، و إلى السبب الذي أخمد في البريء رغبته في أن يثور. السبب الذي يخلص في الخوف من قوة البطش وظلمه.
وأرى أن العفريت في النص إنما يرمز لتلك الثورة الكامنة في البريء المستكين ذاك، إذ تراه يساعد القاضي في محاكمته، بل ويصفر استهجانا ربما لما يراه من خنوع وتذلل.
تنتهي القصة الغرائبية تلك بحدث لا يقل غرابة، حيث يقرر القاضي أن يتم إرسال المتهم(البريء) إلى السماء، في إشارة إلى الحكم بموته، جزاء له على خنوعه.
وأرى أن المشهد الأخير هذا إنما هو في الحقيقة لحظات ما قبل الموت. أرى السجين البريء وقد أثخنته جراحه حتى تكاد روحه أن تفارقه، قد نصب لنفسه محاكمة يرأسها ضميره على سكوته وخنوعه. كان السجين يحاسب نفسه على سكوته في لحظات الموت!
أسائل نفسي في الأخير عن سر اختيار العنوان "الوشاح"، فأجدني أركن إلى أنه يرمز إلى القاضي ها هنا، والذي يرمز إلى ضمير المسجون البريء في الأخير. كما أن الوشاح قد يرمز إلى أن ثمة حدث من وراء الحدث، أو سطور من وراء السطور.
حيث معلوم أنه يستر ما تحته، حتى أنا نقول : اتشحت المرأة بالسواد. أي تسترت أو تغطت.
القصة في نظري لها رسالة متفردة عن المألوف، إذ أنها في الحقيقة تشير بأصابع الاتهام لا أقول إلى الجلادين والظالمين، وإنما هي توبخ الساكتين والخانعين، وتود لو تقدح فيهم شرارة الثورة على الظلم وصانعيه. قصة متفردة ورائعة. ولن أتكلم عن استخدام بعض المترادفات او إمكانية الاختزال في بعض المواضع القليلة فيها؛ حيث أني أجدها ترجع إلى ذائقة الكاتب نفسه في استخدامه للكلمات.
في الأخير أتقدم إلى الكاتب بتحيتي وتقديري، متمنيا له دوام الألق والإبداع
قصة«الوشاح» للأستاذ الكاتب "خالد الخليف"
-لِمَ اعْتَرَفْتَ بما لم تقترفْ يا متَّهم!؟..
-سألني القاضي هذا السؤال، على طريقة مارك زوكنبرغ عندما يسألك: بم تفكِّر!؟..
-هبَّت في نفسي الريح الخبيثة، مرَّةً أخرى، على إيقاع هذا السؤالِ الباهتِ، سؤالِ العارفِ الداري، وانطلق العفريت المتقوقع داخلي، على شكل زوبعةٍ، عبَثَتْ بأوراق المحكمة، وأنا أجيب على السؤال، ببلادة:
- أردتُ ردَّ الجميل، للمحقِّق النبيل، على حسن استضافته لي، وتعويضاً مني له، عن عرقه، في خدمتي، وعن عِصِيِّه الخشنةِ، وسياطِهِ الناعمةِ، أردتُ منحَهُ الشعورَ بالمقدرة والتفوُّق، كنت أرجو أن أتسبَّبَ له بترقيةٍ أو مكافأة، أووسامِ الرضا عن الذات على الأقلّ، سيِّدي القاضي!..
-هل أنت مجنون؟..
-ما تراهُ عدالتكم، وما يرتِّبُه فضلكم، سيِّدي القاضي!..
-انتشر في القاعة همسٌ، كأصداء قهقهةٍ مكتومةٍ، رَسَمَتْ على إهاب القاضي أخدودًا عميقًا، وأضرمت فيه نارًا تعالت ألسنتُها إلى عنان السماء، وغشت خياشيمَهُ موجةٌ من قَتَارٍ، تفوح من قَصَبِ البشرِ، وأقتابِهم المحترقة، أشاح بوجهة يمينًا ثم شمالًا، حاول إغلاق أنفه، ولكنَّ شبح ذي نُوَاسٍ حمل مطرقة العدالة، وأهوى بها على رأسه، بطرقات عنيفة متتالية، صائحًا بالحضور: هدووووء..
-خمدت النار، وانتشرت الهياكلُ المحترقةُ، في القاعة أمام عينيه، على المقاعد، وفي الزوايا، وفي الممرَّات..
-بينما ظلَّ العفريتُ يعبث بأوراق المحكمة، وها هو يؤزُّ القاضي، فيعدِّلُ جلسته، ويثبِّتُ نظَّارتَهُ على أنفه..
-ألا تعلم أنَّه لولا تدخُّل السماء، وظهور الجاني الحقيقي، لذهبتَ إلى المشنقة طوع إرادتك!؟.
-استفزَّتِ العفريتَ، عبارةُ طوعِ إرادتك، الشاعريَّة هذه، إلّا أنّه تمالك نفسه وهدأ، على ذكر السماء، ثمّ انفجر باكيًا، وجلس بين الهياكل المسنَّدة، يتفحَّص الجماجم المتفحِّمة..
-عَلِمْتُ أنَّ في السماء عدالةً، فأردْتُ رفْعَ قضيَّتي إليها سيادة القاضي!..
-لَئنْ تلُفّ حبل المشنقة، حول عنقك بيديك، فتعترف بما لم تَقْتَرِف، بما اقْتُرِفَ وما لم يُقْتَرَفْ بعد، خيرٌ لكَ من حياة المتًّهم، بين العِصِيِّ المشرعة، والسياطِ المفزعة، وأشرفُ من عمرٍ تحياه، على كرسيِّ التحقيقِ، تتحرَّى عطفَ جلادك، تحرِّي الصائمين هلالَ العيدِ!..
-افْعَلْها.. فعدالة السماء تسمع وترى، في حضورٍ دائمٍ، لا تعرف العطلة القضائية، سيادة القاضي!..
-صفَّرَ العفريت مجدَّدًا، وقهقتِ الريح، تبثُّ الروح في هذه الهياكلِ النَّخِرَةِ، تعيدُ فيها، بعض ما احترقتْ لأجله، فشرعت تجأرُ في صمتٍ مريب: يا للسماء..
-استقرَّ المارد واقفًا، مثبِتًا رجليه في كفَّتي الميزان، بعد رجحانٍ استغرق ثلاث طرقات بمطرقة العدالة..
-شعر القاضي بأن عبَثًا ما، يطالُ الميزان،
-فتنحنحَ، كمن هزَّهُ الحرجُ، كاظمًا غيظَهُ!.
-ظهور الجاني الحقيقي، لا ينفي ما لم تنْفِهِ بإقرارك، وهو لا يكفي المحكمة لتقرير براءتك، وأنت تصرُّ، على رفع قضيَّتكَ، إلى عدالة السماء، أيُّها المتَّهم.. وبصرف المحكمة النظرَ، عن هذا التداخل القانوني.. فقد تقَرَّرَ إرسالُكََ إلى السماء لتضليلِكَ العدالةَ، وعرقلةِ القانون.
-سكنتِ الريحُ الزارية الذارية، وانكفأَ العفريتُ إلى قمقمِهِ، واستحالتْ الهياكلُ إلى رماد، وقاعة المحكمة، إلى يبابٍ خراب، يَتَوشَّحُ فيهِ المحقِّقُ النبيهُ، نَوْطَ الاستحقاق، غرابًا يبحثُ في الأرض
قصة«الوشاح» للأستاذ الكاتب "خالد الخليف"
-لِمَ اعْتَرَفْتَ بما لم تقترفْ يا متَّهم!؟..
-سألني القاضي هذا السؤال، على طريقة مارك زوكنبرغ عندما يسألك: بم تفكِّر!؟..
-هبَّت في نفسي الريح الخبيثة، مرَّةً أخرى، على إيقاع هذا السؤالِ الباهتِ، سؤالِ العارفِ الداري، وانطلق العفريت المتقوقع داخلي، على شكل زوبعةٍ، عبَثَتْ بأوراق المحكمة، وأنا أجيب على السؤال، ببلادة:
- أردتُ ردَّ الجميل، للمحقِّق النبيل، على حسن استضافته لي، وتعويضاً مني له، عن عرقه، في خدمتي، وعن عِصِيِّه الخشنةِ، وسياطِهِ الناعمةِ، أردتُ منحَهُ الشعورَ بالمقدرة والتفوُّق، كنت أرجو أن أتسبَّبَ له بترقيةٍ أو مكافأة، أووسامِ الرضا عن الذات على الأقلّ، سيِّدي القاضي!..
-هل أنت مجنون؟..
-ما تراهُ عدالتكم، وما يرتِّبُه فضلكم، سيِّدي القاضي!..
-انتشر في القاعة همسٌ، كأصداء قهقهةٍ مكتومةٍ، رَسَمَتْ على إهاب القاضي أخدودًا عميقًا، وأضرمت فيه نارًا تعالت ألسنتُها إلى عنان السماء، وغشت خياشيمَهُ موجةٌ من قَتَارٍ، تفوح من قَصَبِ البشرِ، وأقتابِهم المحترقة، أشاح بوجهة يمينًا ثم شمالًا، حاول إغلاق أنفه، ولكنَّ شبح ذي نُوَاسٍ حمل مطرقة العدالة، وأهوى بها على رأسه، بطرقات عنيفة متتالية، صائحًا بالحضور: هدووووء..
-خمدت النار، وانتشرت الهياكلُ المحترقةُ، في القاعة أمام عينيه، على المقاعد، وفي الزوايا، وفي الممرَّات..
-بينما ظلَّ العفريتُ يعبث بأوراق المحكمة، وها هو يؤزُّ القاضي، فيعدِّلُ جلسته، ويثبِّتُ نظَّارتَهُ على أنفه..
-ألا تعلم أنَّه لولا تدخُّل السماء، وظهور الجاني الحقيقي، لذهبتَ إلى المشنقة طوع إرادتك!؟.
-استفزَّتِ العفريتَ، عبارةُ طوعِ إرادتك، الشاعريَّة هذه، إلّا أنّه تمالك نفسه وهدأ، على ذكر السماء، ثمّ انفجر باكيًا، وجلس بين الهياكل المسنَّدة، يتفحَّص الجماجم المتفحِّمة..
-عَلِمْتُ أنَّ في السماء عدالةً، فأردْتُ رفْعَ قضيَّتي إليها سيادة القاضي!..
-لَئنْ تلُفّ حبل المشنقة، حول عنقك بيديك، فتعترف بما لم تَقْتَرِف، بما اقْتُرِفَ وما لم يُقْتَرَفْ بعد، خيرٌ لكَ من حياة المتًّهم، بين العِصِيِّ المشرعة، والسياطِ المفزعة، وأشرفُ من عمرٍ تحياه، على كرسيِّ التحقيقِ، تتحرَّى عطفَ جلادك، تحرِّي الصائمين هلالَ العيدِ!..
-افْعَلْها.. فعدالة السماء تسمع وترى، في حضورٍ دائمٍ، لا تعرف العطلة القضائية، سيادة القاضي!..
-صفَّرَ العفريت مجدَّدًا، وقهقتِ الريح، تبثُّ الروح في هذه الهياكلِ النَّخِرَةِ، تعيدُ فيها، بعض ما احترقتْ لأجله، فشرعت تجأرُ في صمتٍ مريب: يا للسماء..
-استقرَّ المارد واقفًا، مثبِتًا رجليه في كفَّتي الميزان، بعد رجحانٍ استغرق ثلاث طرقات بمطرقة العدالة..
-شعر القاضي بأن عبَثًا ما، يطالُ الميزان،
-فتنحنحَ، كمن هزَّهُ الحرجُ، كاظمًا غيظَهُ!.
-ظهور الجاني الحقيقي، لا ينفي ما لم تنْفِهِ بإقرارك، وهو لا يكفي المحكمة لتقرير براءتك، وأنت تصرُّ، على رفع قضيَّتكَ، إلى عدالة السماء، أيُّها المتَّهم.. وبصرف المحكمة النظرَ، عن هذا التداخل القانوني.. فقد تقَرَّرَ إرسالُكََ إلى السماء لتضليلِكَ العدالةَ، وعرقلةِ القانون.
-سكنتِ الريحُ الزارية الذارية، وانكفأَ العفريتُ إلى قمقمِهِ، واستحالتْ الهياكلُ إلى رماد، وقاعة المحكمة، إلى يبابٍ خراب، يَتَوشَّحُ فيهِ المحقِّقُ النبيهُ، نَوْطَ الاستحقاق، غرابًا يبحثُ في الأرض
