أماكن وفيّة
********
كانَ لا بُدّ من اصطيادِ تِلكَ العناكِب التي تحتلُ
الزّوايا
فقد التَهمت كل الذّكرياتِ الحُلوة من على الرفوفِ
وباتت متخمةً بها؛
تتجشّؤ السُّكر بين كلّ حين
كان عليّ مضغُها مع فنجانِ قهوةٍ مُر
ليكسرَ رتابةَ المذاق..
كان فنجانًا بخزفٍ مكسور
ما أنفكّ يخِز شفتي بغُل..
عانيتُ كثيرًا مع أرجلها الثمانية؛
فهي تتسلّق فوقَ وجهي الخالي من الحياة
لتعودَ وتجري للزّوايا مجدّدا..
ألبومُ الصّور القابِع تحتَ كومةِ الغُبار فاقدُ الملامح؛
لكنه ما زال يتنفّس..
أرى ارتفاع صدرِه وهبوطهُ بالتّناوب
الأرواحُ في داخلِه تحاولُ الشّهيق..
لكنّ الهواءَ من حولها فاسد
تكتُم أنفاسَها.. وتبتلعُ الزّفير..
الكرسيّ الوحيدَ في المكان قد فقد ساقَه
وكسرَ ضلعًا في صدرِه..
لكنّه ما زال يتوسّط الحُجرة كأنّه ملكُ الفراغ..
حاولتُ لمسهُ فركلني
كأنّه يخشى أن يزول دفءُ جسدِك عنه من أثرِ لمساتي
البارِدة..
السّتائر البيضاء تحيطُ بالنّوافذ كأنها أكفانٌ ممزّقة..
كم هي مُخيفة!
أخبرتكِ من قبل أن الوردي سَيكون أجمَل
لكنّك لم تكوني كباقي الإناثِ ميالةً للوردي؛
كنتِ امرأةً استثنائية..
أمرّر أناملي على الجدرانِ العارِية فأراها ترتجفُ خجلاً
كجسدِ عذراء..
أتوقف كي لا أشعِل فتيلَ الشّوق فيها..
ما زالتِ الشّموع رابضةً فوقَ المدفأة
لكنّها أحرقت أصابِعها وراءك
ودفنَت رُوحها في دُموعها..
الخزانةُ فارغة؛
فقد جمَعتْ ثيابُكِ نفسها وغادرَت خلفك..
ها أنا أقفُ أمام السّرير ذو الأعمِدة الأربعة
الوسائُد تحتضِنُ بعضَها
الغطاءُ شفافٌ جدًا
ألمحُ ظلّك من خِلاله
أحاولُ لمسكِ فَيُحالُ الفراشُ رمادًا..
تسعلُ الحُجرة بقوة
أتقهقَرُ للخلف
أسمعُها تردّد اسمك
ألتفِتْ!
يصفعُني خشبُ البابِ المهترئ
ما زالَ المكانُ غاضبًا مني؛
فآخر مرةٍ كُنتُ هُنا، ولم تكوني أنتِ؛
كانت أخرى!
شتَمني المَكان؛
وتقيأتني الحُجرة للخَارج..
***********
تناهيد عبد الرحمن🖋🦋
