قراءة وجيزة في نص القصة القصيرة
للكاتبة صديقة علي اللاذقية/ السورية
رحو شرقي معسكر / الجزائر
**************
إنما أحب أن تكون قراءتي كمتذوق، يحب أن يرتوي من شلالات الإبداع القصصي ومن خلال ما قرأت وليس ما فهمت لأن فهم النص يكمن في عدمه .
كما يقول إيكو "إن القارئ الحقيقي هو الذي يفهم أن سر النص يكمن في عدمه."
فالنص اتسم بسعة الأفق ، وهذا ما ميّز القصة إلى الحد الذي جعل المتلقي ومن جميع الأطياف يجمعون على ذلك.
فالقاص قد وضع مقياسا للنص المتسم باستعمال اللغة استعمالاً خاصاً بحيث كل كلمة في القصة تكتنز الكثير من المعاني عند تحليلها وإعادة تركيبها وسنبرهن على كل دلالة في النص .
الكاتبة تمتلك قدرة عالية جداً في التلاعب بالألفاظ والتوصيف الدقيق، وتحريك هذه الألفاظ في ضوء ما تتطلبه رسم القصة بقلم مشهدي متحرك من السكون وهذه إحدى النقاط الفارقة في القصة التي تسعى الكاتبة بما أوتيت إلى ايصال الفكرة وعمقها إلى المتلقي.
وبطريقة ذكية تجعله شريكاً أساسياً في الوصول الى المعاني المطلوبة ثم تحمله مسئولية الأحداث في عنوان القصة "اقتراف الصمت "
وكأنها تقول شيئ، و ترمي إلى أشياء وتريد شيئا وحيدا في القصة وهو جريمة الصمت بهذه التهمة التي كانت في سبب ضياع الأوطان .
تبدو فكرة النص بسيطة لكنها أعمق من تصور أي متلقي بنظرة ثاقبة ومتأنية استعملت الكاتبة أدهى أمور التشويش في التقديم والتأخير لبعض الجمل لخلخلة الفكرة في ذهن المتلقي
وعلى سبيل المثال " عادت بطرفها إلى الشاشة مصعوقة بحماس الضيف وعلو صوته وهو يؤكد على ضرورة مكافحة الفساد " ثم قالت في جملة لاحقة " أريد أن أسأل ضيفك ...بيع رسالة الدكتوراه لابنة مسؤول تحت أي بند من الفساد يصنفه"
وهنا يكمن ذكاء الكاتبة لهذه المفارقة العجيبة التي تحمل الكثير ...
تحمل – فساد الأخلاق
- الفساد الثقافي
- الفساد السياسي
- الفساد المالي
وهنا تريد الكاتبة أن تقنع القارئ بالإيحاء وليس بالنصح كيلا تخرج من قواعد النص الأدبي أن بداية المآسي تبدأ في الفساد الأخلاقي وبعبارة صريحة الفساد الأخلاقي هو أم الخبائث.
يقول أحد المفكرين " عندما تمرض الأمة، يتم تشخيصها في المدرسة " لكن المدرسة مريضة حيث تباع فيها شهادات الدكتوراه
والعجيب في الأمر أن الذي يحارب الفساد فهو فاسد ...هنا تكمن المفارقة أيضا من حدث بسيط جدا واقتدار الكاتبة على التنامي في الشخصية ومعها الحدث لتصل في النهاية ذروة الحدث
ببناء هندسي عجيب نوعا ما مع تداخل بعض الأحداث التي تتطلب من المتلقي التركيز استعاب المقصدية التي ترمي إليها القصة.
يقول أومبرتو إيكو:
"إن الأغبياء هم الذين ينهون التأويل قائلين : لقد فهمنا. "
لذلك قراءة النص ليس كفهم النص ...فنحن نظرتنا تكون داخل فضاء النص والنص فضاءه واسع من فضاء القارئ.
يقول أحد المفكرين : "إن العقل الذي لايتناقض هو العقل الذي قد مات "
قراءة جد بسيطة للقصة، لأن النص هو الذي يكتبنا فنحن نقرأ النصوص وليس الشخوص ....تحية تقدير واحترام للقاصة على هذا الإبداع متمنيا لها كل التوفيق في مسارها الأدبي ...
بقلم رحو شرقي /الجزائر
----------------------
اقتراف الصمت
تمضغ لقيمات الخبز، الممسوحة باللبنة ببطء شديد، مذهولة بما يقوله الضيف في برنامج مباشر..تتبع اللقمة بحبة زيتون،تنزع النواة بأسنانها، تحتفظ بها في قبضتها، بينما الضيف بكل مهارة وفصاحة يصنف الفساد بين إداري وثقافي ومالي و..و ..ويشير إلى مواطن الخلل، التي أودت بالبلد إلى الهاوية، على حد تعبيره . تتابع كرجل آلي طعامها، و تتمعن بملامح قناعه الجديد، تنقل نظرها بين شاشة التلفاز وحامل لوحة منتصبة الى جانبه وهاتف مغبر ...ترمق لوحتها الناقصة المهملة ... خضراء لكنها مليئة بالأفواه والأقفال ..فجأة شعرت بالذنب لانشغالها عنها ...عادت بطرفها إلى الشاشة مصعوقة بحماس الضيف وعلو صوته وهو يؤكد على ضرورة مكافحة الفساد ....تنتفض واقفة ثم تتراجع ..إلى طعامها... تحجز نواة الزيتون بين إبهامها وظفر الوسطى و (تنقفها) إلى الشاشة..تعيد الكرة أكثر من مرة ليصبح وجه الضيف هو الهدف ترتد النوى من رأسه وتتساقط على سجادة كان قد فرشها بيديه ...قبل عدة أشهر لم تره خلالها ..بدا أصغر من عمره بعشر سنوات على الأقل ..فائق الأناقة ..لاحظت ببنصره المحبوس خاتما ذهبيا تتوسطه حجرة لا تعرف ماهي لكنها تبدو كالياقوت ...ساعة يد تحيط رسغه تبدو فاخرة ...تسريحة شعره المصبوغ بالأسود بلمعانه مع مثبت الشعر جعله كنجوم السينما .. .. ركلت حامل اللوحة الذي أهتز وعاد الى توازنه اتجهت الى الهاتف .. ...تتصل بالبرنامج المباشر
بصوت واثق وبنظرة متشفية و مركزة على وجهه الذي ملأ الشاشة :
ـ أريد أن أسأل ضيفك ...بيع رسالة الدكتوراه لابنة مسؤول تحت أي بند من الفساد يصنفه .....
يرتبك المذيع
ـ..ألو ...ألو قطع الاتصال ..
تعود الى أريكتها وتتمتم ..قطع الاتصال يا أولاد الكلب ...وتتابع عشاءها بتوتر و بنهم...
..يحاول أن يبدو هادئا، لكنها وحدها تعرف رفة جفنيه ، إذ يتوترو يقلق ...تسمع نبضه حين يغضب وحدها تعرف ...الذل الذي شعر به وهو يحطم كل معاييره ..ويمسد شاربيه بأصابع ترتجف ..عادت تقذفه بنوى الزيتون
قال لها يوما ...حقنا بهذا البلد ان( نقب) على وجه الدنيا ...فرأته في القاع ...يتمرغ بمنصبه تاركا أياها تلوك وحدتها تواجه الخوف والإشاعات والحرب ...كل القذائف المتساقطة على حارتها لم تأت به إليها، لكن هذه المرة قذيفتها ستزلزله، لسوف يأتي وتواجهه .
تنظر الى ساعة الحائط، كانت تشير الى التاسعة والنصف،أخذت تراقب الباب ...قدرت المسافة بين بيتها ومبنى الإذاعة والتلفزيون، لا يحتاج لأكثر من نصف ساعة كي يصل ،اذاسيحضر الساعة العاشرة ...صدق توقعاتها القرع الشديد على الباب
...دلف مسرعا مغلقا الباب خلفه،عيناه تقدحان شررا، قبضته تهتز أمام وجهها . برباطة جأش منتصرة ،صوبت نظرها إليه، متحدية هيجانه، تقف أمامه بقامتها الطويلة، على أرض صلبة تميد تحت قدميه، .مضت دقائق وهو يضغط على شفته السفلى، يكاد يغرز أسنانه فيها، تكسرت بعض أمواج غضبه على شاطئ وجهها الهادئ،سرعان ما استعادها طاردا ضعفه المعهود تجاهها...
ـ لا أصدق بان العاقلة الحكيمة يمكن أن تفعل هذا بي ...كيف تتواقحين ..وتشهري ب.....
تضع سبابتها على شفتيها ....
ـ هس مثلك لا يتكلم عن الوقاحة، مدت ذراعها الأيسر فاتحة كفها على مداه تشير الى التلفاز،
ـ الوقاحة ليس كل مافعلته بي بل ما كنت تنافقه هنا على المحطة التي أصبحت تحت أمرك بعد أن أصبحت زوج الست ابنة الوزير
رد بصفعة على خدها أفقدتها توازنها، لتترنح أمامه محتضنة فكها بكفها تجحظ عيناها غير مصدقة وهي تجاوزت الخمسين من عمرها لم يسبق أن ذاق خدها صفعة من أحد ،سرعان ما تلقفها من كتفيها بكفيه ليحول دون سقوطها ..وقع نظره على نوى الزيتون المتناثرة ،قدر الغضب الذي جعلها ترميه بسهامها،وعاد إلى حبات الدمع المنهمرة على خدها ،المتجمعة على أناملها، بدأ يتصبب عرقا ...كطفل مذنب
.. بصوت نادم، لائم، غاضب، قال :
ـ يامجنونة ...هل تعلمين...خطورة الجبهات التي فتحتها عليك ...
تنظر إليه باحتقار ...قالت في خلدها صرت تقول عليكِ....؟وأين علينا ؟
تبصق بوجهه ...
تفو عليك ... من يحق له أن يصفعني؟ ...أغرب عن وجهي وسترى أهمية جبهاتك عندي
...أفلتت من يديه وصرخت به اخرج من هنا .
..صفقت الباب وراءه ،ثم احتبت خلفه ،لا متكأ لرأسها سوى ركبتيها، بكت بصمت. وبممر ضيق دخلت بنوم عميق ...قطعه صباحا رنين الهاتف، كانت زميلتها بالعمل تتلو عليها قرار الوزير بفصلها من العمل بناء على اقتراح مقدم من الرقابة معتمدا على شهادات زميلاتها وزملائها بسوء أمانتها....
شربت قهوتها بطعم الهزيمة،ونفثت سيجارتها المسمومة بالخذلان ...وأخذت تشطب بريشة سوداء لوحتها المهملة المعنونة
باقتراف الصمت..... .
صديقة علي اللاذقية11/2019
